تواجه شركات التأمين تحدياً متزايداً في التعامل مع المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في ظل صعوبة تحويل التهديدات المحتملة للتكنولوجيا إلى مخاطر مالية يمكن قياسها وتسعيرها، خصوصاً مع ظهور سيناريوهات جديدة يصعب تقدير احتمالاتها وحجم خسائرها.

وبحسب مجلة "إيكونوميست"، فإن المخاوف من أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي شديدة القدرة وفي الوقت نفسه خطرة على البشر بدأت تفرض نفسها على المستثمرين والأسواق، بعدما كان النقاش المالي يتركز بدرجة أكبر على ما إذا كانت التكنولوجيا ستؤدي إلى مكاسب اقتصادية كبيرة أم أن العوائد المنتظرة منها مبالغ فيها.

مخاطر تتجاوز نماذج التأمين التقليدية

وتتراوح المخاطر المحتملة بين اختراق الأنظمة الرقمية واستخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات احتيال واسعة النطاق، وصولاً إلى تضليل المهندسين أو اتخاذ أنظمة متقدمة قرارات لا تتوافق مع الأهداف البشرية. ويجعل هذا التنوع من الصعب على شركات التأمين بناء نماذج إحصائية موثوقة لتحديد الأقساط والتعويضات المحتملة.

وتتسم بعض هذه المخاطر بطبيعة تجعل من الصعب توزيعها تقليدياً، خصوصاً عندما تكون الخسائر المحتملة واسعة النطاق أو يصعب تقدير احتمالات وقوعها.

تسعير سيناريوهات الذكاء الاصطناعي

تعتمد صناعة التأمين على البيانات التاريخية لتقدير احتمالات الخسائر، لكن العديد من المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تملك سجلاً تاريخياً يمكن الاستناد إليه. فالشركات لا تستطيع بسهولة تحديد احتمال وقوع حادث ناتج عن نظام ذكاء اصطناعي متقدم، أو تقدير حجم الخسائر في حال أدى الحادث إلى أضرار واسعة النطاق.

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تكون الخسائر المحتملة مترابطة، إذ يمكن لحادث واحد في نظام متقدم أن يمتد إلى شركات وقطاعات وبنى تحتية متعددة، ما يرفع حجم التعويضات المحتملة إلى مستويات يصعب على شركات التأمين تحملها أو توزيعها عبر محافظ تقليدية.

تهديدات تتجاوز الجرائم الإلكترونية

لا تقتصر المخاوف على الهجمات الإلكترونية والاحتيال، إذ يشير النقاش المتزايد داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى مخاطر أخرى، بينها إمكانية استخدام التكنولوجيا من جانب دول أو جماعات متطرفة لتطوير أسلحة بيولوجية أو المساعدة في تطويرها.

كما يبرز سيناريو أكثر خطورة يتمثل في ظهور أنظمة فائقة القدرة لا تتوافق أهدافها مع المصالح البشرية، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة المؤسسات المالية وشركات التأمين على التعامل مع أحداث ذات نطاق غير مسبوق.

الأسواق تضع الذكاء الاصطناعي أمام اختبار جديد

انعكست المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بالفعل على طريقة نظر المستثمرين إلى القطاع. فالتقييمات المالية للشركات العاملة في التكنولوجيا أصبحت مرتبطة ليس فقط بقدرتها على تحقيق أرباح كبيرة، ولكن أيضاً بالأسئلة المتعلقة بالمخاطر التي قد ترافق تطوير أنظمة أكثر قدرة.

ويضع ذلك المستثمرين أمام ثلاثة تصورات رئيسية للسوق: الذكاء الاصطناعي قد يكون تكنولوجيا تحويلية ومربحة، أو قد لا تحقق الاستثمارات الضخمة فيه العوائد المنتظرة، أو قد تنجح التكنولوجيا اقتصادياً لكنها تنتج مخاطر كبيرة يصعب على الأسواق وشركات التأمين استيعابها.

التأمين أمام فجوة جديدة

تتطلب المخاطر التقليدية إمكانية توزيع الخسائر بين عدد كبير من العملاء، لكن بعض سيناريوهات الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى خسائر واسعة ومتزامنة، ما يقلل من قدرة شركات التأمين على توزيع المخاطر ويزيد صعوبة بناء منتجات تأمينية قابلة للاستمرار اقتصادياً.

ويعني ذلك أن تطوير سوق تأمين واسعة ضد مخاطر الذكاء الاصطناعي قد يحتاج إلى نماذج جديدة تجمع بين البيانات الفنية والتقييمات المستمرة للأنظمة والضوابط التنظيمية، بدلاً من الاعتماد فقط على نماذج الاحتمالات التاريخية المستخدمة في قطاعات التأمين التقليدية.