تتفاقم التصدعات في منظومة التجارة العالمية وسط مواجهة محتدمة داخل أروقة مجموعة العشرين، إذ اصطدمت الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لفرض إطار عمل جماعي يكبح "الطاقة الصناعية الفائضة"، برفض قاطع من وزراء تجارة عدة دول كبرى.
وبينما تمضي واشنطن قدماً في تلويحها بالتحقيقات والرسوم الجمركية ضد السياسات الاقتصادية "غير السوقية"، تصر بكين وعواصم أخرى على رفض الاتهامات الغربية، لتكشف هذه الخلافات عن أزمة ثقة عميقة في مستقبل سلاسل التوريد العالمية وقواعد منظمة التجارة العالمية.
وبحسب "رويترز"، رفض بعض وزراء التجارة في مجموعة العشرين قرار الولايات المتحدة لمعالجة الطاقة الصناعية الفائضة والسياسات الاقتصادية غير السوقية، كاشفةً عن انقسامات بين الاقتصادات الكبرى.
وأفاد مكتب الممثل التجاري الأمريكي بأن مسودة البيان الوزاري بشأن الطاقة الفائضة حظيت بدعم غالبية أعضاء مجموعة العشرين، غير أن عدة دول رفضت بشكل قاطع إنشاء إطار للعمل التعاوني.
ولم تُحدد واشنطن، التي تتولى رئاسة قمة الـ20 هذا العام، هوية الدول التي عارضت المقترح، واعترضت الصين سابقاً على بيان مماثل يستهدف العمل القسري والسياسات الاقتصادية غير السوقية خلال اجتماع مالي لمجموعة العشرين الشهر الماضي.
ورفضت بكين الاتهامات الأمريكية بأن دعمها الصناعي وسياساتها أفرزا طاقة إنتاجية فائضة، مؤكدةً أن الدول الغربية تستغل هذه المسألة لتبرير إجراءاتها الحمائية.
وذكرت "رويترز": "يأتي هذا الخلاف في وقت يجري فيه مكتب الممثل التجاري الأمريكي تحقيقاً بموجب المادة 301 في 16 شريكاً تجارياً تُظهر مؤشرات على طاقة صناعية فائضة، وهو إجراء يُتوقع أن يُفضي إلى فرض تعريفات إضافية في الأشهر المقبلة".
وأوضحت أنه على صعيد منفصل، لم تؤيد سوى المكسيك والأرجنتين البيانَ الذي تقوده الولايات المتحدة والداعي إلى تعزيز التعاون لإزالة البضائع المنتجة بالعمل القسري من سلاسل التوريد العالمية.
وكانت إدارة ترامب قد فرضت تعريفات 10% أو 12.50% على بضائع من 59 دولة والاتحاد الأوروبي، بحجة عدم كفاية تطبيق القيود المتعلقة بالعمل القسري.
وتوصل وزراء التجارة في مجموعة العشرين إلى توافق بشأن إدانة استخدام تجارة الغذاء كأداة للإكراه الاقتصادي أو السياسي، إذ اتفق الأعضاء على أن التدابير الرامية إلى تقييد أو إعادة توجيه الغذاء والمدخلات الزراعية بهدف انتزاع تنازلات جيوسياسية غير ذات صلة تُشكّل مخاطر إنسانية واقتصادية.
هذا وتشير تقارير المنتديات العالمية المعنية بالقدرة الفائضة للصلب (مثل GFSEC)، إلى أن الفجوة العالمية بين طاقة إنتاج الصلب والطلب الفعلي تتجه نحو مستويات قياسية تقترب من 721 مليون طن، وهو أعلى مستوى منذ أزمة الصلب التاريخية عام 2016.
ويمتد الفائض ليشمل تقنيات التحول الأخضر كالسيارات الكهربائية وبطاريات البنية التحتية للطاقة، حيث تتجاوز الاستثمارات والقدرات الإنتاجية معدلات الطلب الاستهلاكي المؤقت.
الصين.. بؤرة الفائض
يحوم معدل استخدام الطاقات الصناعية في الصين عموماً حول 73% إلى 74%، وهو مستوى منخفض نسبياً مقارنة بالمعايير التاريخية (التي كانت تتجاوز 75-76%).
وتُنتج الصين حجماً هائلاً من السلع يفوق قدرة استهلاكها المحلي المتباطئ، وتركز الفائض بشكل رئيسي في قطاعات السيارات الكهربائية، البطاريات، الألواح الشمسية، الصلب، والتقنيات المتقدمة والرقائق الإلكترونية التقليدية.
الاتحاد الأوروبي يعاني الإغراق
لا يعاني الاتحاد الأوروبي بالدرجة الأولى من "طاقة فائضة محلية" مفرطة، بل يواجه أزمة تدفق وفائض المستوردات القادمة من الخارج (وخاصة السلع الصينية الرخيصة نظراً لإغلاق السوق الأمريكي نسبياً أمامها بسبب الرسوم الجمركية المشددة).
وتعاني قطاعات السيارات وصناعة الصلب والتقنيات الخضراء من ضغوط شديدة وتراجع في هوامش الربح ومعدلات التشغيل، لأن المصانع الأوروبية تعمل بأقل من طاقتها الكاملة لعدم قدرتها على منافسة الأسعار المتدنية للسلع الوافدة، ما دفع بروكسل لفرض تدابير حمائية وتحقيقات مكافحة للإغراق.