قال كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة وصعود عوائد السندات وتراجع الدعم المالي قد تضغط على النمو الاقتصادي، ما قد يحد من مقدار تشديد السياسة النقدية المطلوب لكبح الضغوط التضخمية.

ورفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين خلال الصيف، بعدما قفز التضخم إلى مستوى يقترب من ضعف هدفه البالغ 2%، فيما يناقش صناع السياسة النقدية مدى الحاجة إلى مزيد من التشديد في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار صمود النشاط الاقتصادي.

استجابة مدروسة

وأوضح فيليب لين أن "الموجة الأخيرة" من ارتفاع أسعار الطاقة تشكل خطراً صعودياً واضحاً على التضخم، إلا أن عوامل أخرى تضغط في الاتجاه المعاكس على النشاط الاقتصادي، ما يجعل استجابة البنك "المدروسة" للضغوط التضخمية مناسبة في المرحلة الحالية.

وقال خلال مؤتمر في فرانكفورت، إن "ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الدعم المالي وزيادة تكاليف الاقتراض في الأسواق ستضغط على الطلب والنمو"، بحسب "وول ستريت جورنال".

وأضاف أن أثر السياسة المالية على الاقتصاد يُتوقع أن يتحول من داعم للنمو في 2026 إلى عامل ضاغط عليه في عامي 2027 و 2028، في حين ستؤدي الزيادة الملحوظة في أسعار الفائدة طويلة الأجل إلى إبطاء النمو بدرجة أكبر من المتوقع.

وأشار لين إلى أن القفزة في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تدعم النشاط الاقتصادي، إلا أن اعتماد شركات التكنولوجيا بكثافة على الاقتراض لتمويل استثماراتها الضخمة يضيف ضغوطاً صعودية على أسعار الفائدة.

ويرى أن قنوات "تدمير الطلب" الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل يمكن أن تقلص حجم تشديد السياسة النقدية المطلوب لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف، لكنه امتنع عن إعطاء إشارة بشأن القرار المقبل لأسعار الفائدة، مؤكداً أن القرارات ستُتخذ في كل اجتماع على حدة.

وتتوقع الأسواق حالياً أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات إضافية خلال العام المقبل، بعدما كانت تسعر أربع زيادات كاملة قبل أقل من أسبوع، في مؤشر على التقلب الكبير في توقعات مسار السياسة النقدية، وفقاً لوكالة "رويترز".

التضخم يطارد أوروبا.. منطقة اليورو تقترب من أول رفع لأسعار الفائدة منذ 2023 - موقع 24تدخل منطقة اليورو مرحلة اقتصادية أكثر تعقيداً مع عودة الضغوط التضخمية مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ما يضع البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة دقيقة بين كبح التضخم المتصاعد ودعم اقتصاد بدأ يظهر علامات تباطؤ واضحة. 

التضخم عند 3.8%

وفي المقابل، أكد لين أن الارتفاع الحالي في التضخم لم يؤد حتى الآن إلى تحول صعودي في توقعات التضخم على المدى المتوسط، وهي رؤية أيدها رئيس البنك المركزي الألماني "بوندسبنك"، يواخيم ناغل.

وقال ناغل، إنه "لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على انتقال الضغوط التضخمية إلى آليات تحديد الأسعار والأجور"، مشيراً إلى أن توقعات التضخم طويلة الأجل المستندة إلى الأسواق وتقديرات الخبراء لا تزال متوافقة مع هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%.

لكن ناغل حذر من أن مخاطر التضخم لا تزال تميل نحو الصعود، مع احتمال استمرار ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، إلى جانب الضغوط الناتجة عن تراجع طاقات التكرير وارتفاع أسعار الغذاء.

ويبلغ معدل التضخم في منطقة اليورو، حالياً 3.8%، أي ما يقرب من ضعف هدف البنك المركزي الأوروبي، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة إلى "تأثيرات الجولة الثانية"، عبر انتقال زيادة التكاليف إلى الأسعار والأجور، بما يؤدي إلى ترسيخ التضخم عند مستويات مرتفعة.

عوامل مختلفة

وحذر ناغل من أن انخفاض مخزونات الغاز يجعل الأسعار أكثر عرضة للارتفاع، خصوصاً إذا اضطرت أوروبا إلى شراء كميات أكبر خلال الشتاء، فيما يؤدي تراجع طاقات التكرير إلى ارتفاع أسعار المنتجات النفطية المكررة. كما تشكل موجات الجفاف وحرائق الغابات ونقص الأسمدة مخاطر إضافية على أسعار الغذاء، ووفقاً "للبنك لمركزي الأوروبي".

وتفسر هذه المخاطر رهانات الأسواق على مزيد من تشديد السياسة النقدية، إذ يبلغ سعر الفائدة على الودائع لدى البنك المركزي الأوروبي حالياً 2.5%.

وبحسب بيانات مجموعة بورصة لندن "LSEG"، تسعر الأسواق احتمالاً بـ20% لرفع أسعار الفائدة في أكتوبر (تشرين الأول)، مقابل 80% لاحتمال تنفيذ زيادة في ديسمبر (كانون الأول).

ولم يؤيد ناغل هذه الرهانات، مؤكداً ضرورة احتفاظ البنك بالمرونة واتخاذ قرارات السياسة النقدية استناداً إلى البيانات الاقتصادية الواردة. وفيما يزيد ارتفاع عوائد السندات جاذبيتها بالنسبة إلى مديري الاحتياطيات، قال إن "دوافع تنويع الأصول الاحتياطية باتجاه الذهب لا تزال قوية، في ظل التوترات الجيوسياسية ومخاطر الائتمان المرتبطة بارتفاع مستويات الديون.