شهدت أسواق المعادن الثمينة تحولاً لافتاً في ختام تعاملات الأسبوع، حيث ارتفعت أسعار الذهب خلال تعاملات الجمعة لتسجل أعلى مستوياتها في نحو أسبوع.

وجاء  الصعود مدفوعاً بتبدل نسبي في شهية المخاطر وتراجع حدة المخاوف بشأن التضخم، إلى جانب تنامي الضغوط على سندات الخزانة الأمريكية المستفيدة من تراجع أسعار النفط في وقت سابق من التداولات. 

ومع ذلك، يجد الذهب نفسه في مواجهة معادلة دقيقة، إذ يواصل المستثمرون تقييم احتمالات قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأمريكي) برفع أسعار الفائدة مجدداً قبل نهاية العام الحالي.

مرونة واضحة 

على صعيد التداولات الفورية والمستقبلية، أظهر المعدن الأصفر مرونة واضحة مع إغلاق تداولات الأسبوع، حيث قفز الذهب 1.55% ليتداول عند مستويات تقارب 4194 دولاراً للأونصة.

وسجلت عقود الذهب الآجلة تسليم مكاسب موازية لتستقر فوق مستويات 4220 دولاراً للأونصة. 

وعلى الرغم من أن الذهب يتجه لتسجيل مكاسب أسبوعية تقارب 1.2%، إلاّ أنه لا يزال منخفضاً بنحو 2.79% على مدار الشهر الماضي نتيجة موجة التصحيح التي شهدها في سبتمبر (أيلول)، في حين يحافظ على مكاسب سنوية تقدر بـ 4.58% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ويعود الارتفاع الأخير للذهب إلى تراجع الضغط  من سوق السندات والعملة الخضراء، حيث هبطت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات متراجعة من أعلى مستوياتها في عقدين والتي سجلتها في وقت سابق من الأسبوع.

وجاء تراجع السندات مدعوماً بانخفاض أسعار النفط الخام، ما أدى إلى تقليص توقعات التضخم قصيرة المدى.

وفي الأسواق المالية يعمل انخفاض النفط كعامل مزدوج، فرغم أنه يقلل جاذبية الذهب كأداة تحوط من التضخم، إلا أنه يقلل من احتمالية لجوء "الفيدرالي" إلى رفع فوري  للفائدة، ما انعكس إيجاباً على الذهب بالتزامن مع استراحة الدولار الأمريكي الذي توقف ارتفاعه المستمر، مما جعل المعدن المسعر بالعملة الأمريكية أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين حاملي العملات الأخرى وحفز عمليات الشراء التكتيكية واقتناص الصفقات.

السياسية النقدية 

تظل السياسة النقدية الأمريكية هي المحرك الأساسي لحركة أسعار الذهب، كونه معدناً لا يدر عوائد دورية للمستثمرين.

ورغم الصعود الأخير، تترقب الأسواق بحذر الخطوة القادمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، في وقت أظهرت فيه قراءات أداة "FedWatch" الصادرة عن بورصة شيكاغو التجارية تراجعاً ملحوظاً في احتمالية رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع أكتوبر (تشرين الأول) لتتراوح بين 17% و19%، الأمر الذي منح المستثمرين والمشترين دافعاً قوياً لزيادة مشترياتهم، ما ساهم في دفع الأسعار لتتجاوز مستويات الدعم الفنية وتستقر عند أعلى مستوياتها الأسبوعية.

في المقابل لا تزال الأسواق تتوقع بنسبة 84% قيام "الاحتياطي الفيدرالي" برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل في اجتماع ديسمبر (كانون الأول).

ومما عزز هذه المخاوف تصريحات رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، ألبرتو مسالم، الذي أكد أن البنك المركزي قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%.

التوقعات 

تتباين تحليلات المؤسسات المالية العالمية حول ما إذا كان الارتفاع الحالي لأسعار الذهب مجرد صعود مؤقت أم بداية لمرحلة جديدة من الارتفاع المستمر. 

وتتوقع مجموعة غولدمان ساكس، استمرار صعود الذهب على المدى الطويل، حيث عدل البنك مستهدفاته السعرية متوقعاً وصول الأونصة إلى 4900 دولار بنهاية 2026، وذلك بسبب القلق المتزايد من ضخامة الديون الحكومية العالمية والشكوك حول استقلالية البنوك المركزية. 

ومن جهة أخرى، أكد مجلس الذهب العالمي في تقريره الأخير وجود تحول استراتيجي في سلوك المستثمرين، حيث سجلت صناديق الاستثمار المتداولة في أوروبا بقيادة المملكة المتحدة إقبالاً قياسياً لشراء الذهب بلغ 54 طناً خلال الربع الثالث.

ويرى المجلس أن الاستثمار في الذهب لم يعد مجرد مضاربة سريعة تتأثر بقرارات أسعار الفائدة، بل أصبح وسيلة أساسية لحماية الأموال ضد ضعف الاستقرار المالي للدول الكبرى.

وفي سياق متصل، ترى مؤسسة "باي بيت"، أن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين للأسبوع المقبل ستكون المحرك الحاسم القادم، محذرة  من أن أي قراءة تظهر عناد التضخم قد تدفع الفيدرالي لتبني دورة تشديد أكثر حدة، ما قد يضطر الذهب لاختبار مستويات الدعم النفسية عند 4000 دولار للأونصة مجدداً.

وعلى الجانب الآخر تستمر القوى الآسيوية في تقديم دعم صلب للأسعار، حيث واصل بنك الشعب الصيني المركزي زيادة احتياطياته الرسمية من الذهب للشهر الـ23 على التوالي، ليصل إجمالي حيازته إلى 77.47 مليون أونصة، ما يثبت أن الطلب السيادي لم يعد يرتبط بالتقلبات السعرية اليومية بل بالتحول الاستراتيجي بعيداً عن الدولار.

خط الاتجاه القادم 

ونجح الذهب في الختام من الخروج من خط الاتجاه الهابط قصير المدى وتجاوز المتوسطات المتحركة الرئيسية، حيث تضع الأسواق حالياً مستوى المقاومة التالي عند 4227 دولاراً للأونصة كاختبار حقيقي لقوة الزخم الصعودي الحالي.

وإذا  نجحت الأسعار في اختراق هذا المستوى والاستقرار فوقه، فإن الطريق سيكون ممهداً نحو مستويات 4298 دولاراً. 

ومع ذلك، فإن بقاء سيف الفائدة المسلط في ديسمبر يعني أن أي رحلة صعودية ستكون محفوفة بالتقلبات الحادة وتعتمد بشكل أساسي على البيانات الاقتصادية الأمريكية القادمة.