في خطوة تعكس التحول الجذري في مفهوم البنية التحتية الحضرية، كشفت هيئة الطرق والمواصلات بدبي عن ملامح استراتيجيتها الجديدة لتطوير منظومة تنقل مستقبلية "ثلاثية الأبعاد".

لا تكتفي  المنظومة  الجديدة بتطوير ما هو قائم فوق سطح الأرض، بل تمتد لتستفيد من الإمكانات  لباطن الأرض عبر شبكات نقل متكاملة للبضائع والأفراد، وتتحكم في أجوائها من خلال التاكسي الجوي اللوجستي والتجاري.

يمثل التحول الاستراتيجي، الذي أعلن عنه  مطر الطاير، المدير العام ورئيس مجلس المديرين في هيئة الطرق والمواصلات بدبي، خلال ملتقى محمد بن راشد للقادة،  نموذجاً  لكيفية تحويل التحديات الديموغرافية واللوجستية الكبرى إلى رافعات نمو اقتصادي واستثماري طويل الأجل.

ومن منظور التحليل الاقتصادي، فإن هذه الرؤية تتجاوز مفهوم "تسهيل الحركة المرورية" لتصبح المحرك الأساسي لرفع الإنتاجية الكلية، وخفض التكاليف التشغيلية للأعمال، وتعزيز جاذبية دبي كمركز مالي ولوجستي عالمي.

محفز الاستثمار

تأتي الخطط الطموحة لهيئة الطرق والمواصلات كاستجابة مباشرة للنمو السكاني والنشاط الاقتصادي المتسارع الذي تشهده إمارة دبي.

وبحسب البيانات التي أفصح عنها الطاير، فإن دبي تشهد حالياً نحو 11 مليون رحلة يومياً، بما يعادل 7 آلاف رحلة في الدقيقة الواحدة. ويرتبط  الزخم المروري الكبير مباشرة بالديناميكية السكانية؛ حيث يرتفع عدد سكان دبي ليصل إلى نحو 6 ملايين نسمة خلال فترة النهار، مع وجود توقعات رسمية بمضاعفة هذا العدد في العقود المقبلة.

من الناحية الاقتصادية، فإن بلوغ عدد السكان والمستفيدين من البنية التحتية حاجز الـ 12 مليوناً مستقبلاً في فترات الذروة، يضع منظومات النقل التقليدية تحت ضغوط استثنائية قد تؤدي إلى ظاهرة "الاختناق الاقتصادي" الناتجة عن الهدر في الوقت والوقود.

وتُجمع المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها  البنك الدولي ،على أن الازدحام المروري في المدن الكبرى غير المستعدة للمستقبل يمكن أن يخفض ما بين 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة انخفاض إنتاجية القوى العاملة وارتفاع تكاليف سلاسل الإمداد. لذلك، فإن تحرك دبي الاستباقي لاعتماد البعد الثالث (توظيف المساحات المتاحة تحت الأرض وفوقها) يمثل تحييداً مبكراً لهذه المخاطر، ويضمن استدامة تدفق البضائع والأفراد دون التأثير على جودة الحياة الفاخرة التي تعد جزءاً من القوة الجاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وفورات مليارية

لطالما نظرت المدارس الاقتصادية التقليدية إلى الإنفاق على البنية التحتية كعبء مالي طويل الأجل ذي عائد بطيء. إلا أن النموذج المالي الذي استعرضه مطر الطاير يثبت العكس تماماً؛ حيث حققت مشاريع البنية التحتية للنقل في دبي وفورات وعوائد اقتصادية إجمالية بلغت 319 مليار درهم (قرابة 87 مليار دولار)، يُضاف إليها عوائد مالية مباشرة وغير مباشرة بقيمة 156 مليار درهم (42.5 مليار دولار).

ويعكس إجمالي العوائد  الذي يقترب من نصف تريليون درهم  كفاءة الاستثمار الحكومي وجدواه المباشرة.

وتشير تقارير صندوق النقد الدولي  إلى أن كل درهم يُستثمر في البنية التحتية المتطورة للمواصلات في الاقتصادات الديناميكية يولد عائداً مضاعفاً يتراوح بين 1.5 إلى 2 درهم في الاقتصاد المحلي على المدى المتوسط، من خلال تنشيط قطاعات العقارات، والتجارة، والسياحة، والخدمات اللوجستية.

وفي حالة دبي، يظهر هذا العائد جلياً في تقييم المؤسسات الاستثمارية العالمية؛ حيث تصنف وكالات التصنيف الائتماني الكبرى مثل "موديز"، و"ستاندرد آند بورز" البنية التحتية في دبي كأحد أهم العوامل في منح الإمارة تصنيفات ائتمانية مرتفعة، كونها تقلل من المخاطر التشغيلية للشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من دبي مقراً إقليمياً لها.

منظومة النقل المستقبلية

ترتكز الرؤية التي طرحها الطاير على ثلاثة أبعاد أساسية تتكامل فيما بينها لتشكيل شبكة تنقل مرنة ومستدامة، حيث يتمثل البعد الأول للنقل على سطح الأرض والتحول نحو القيادة الذاتية.

وفي هذا السياق، تستهدف دبي تحويل 25% من إجمالي رحلات التنقل لتكون ذاتية القيادة بحلول 2030، الأمر الذي  لا يسهم فقط في تقليل نسبة الحوادث البشرية بنسبة تتجاوز 90% وفقاً لتقديرات الإدارة الوطنية للأمن على الطرقات، بل يؤدي أيضاً إلى تحسين تدفق حركة المرور وزيادة الطاقة الاستيعابية للطرق الحالية بنسبة 30%.

ومن المنظور الاستثماري، فإن هذا التحول يفتح الباب واسعاً أمام شركات التكنولوجيا العالمية وصناع السيارات ذاتية القيادة لضخ استثمارات ضخمة واتخاذ دبي مختبراً عالمياً لتطبيقاتها.

النقل الجوي والتاكسي الطائر

أما البعد الثاني، فمع  اقتراب تدشين أولى محطات التاكسي الجوي في 2026، تنتقل دبي من مرحلة التجريب إلى التشغيل التجاري الفعلي.

ويمنح  القطاع الواعد، الذي يتوقع بنك "مورغان ستانلي" أن تصل قيمته السوقية العالمية إلى 1.5 تريليون دولار بحلول 2040،  دبي ميزة تنافسية  كمدينة سباقة في تبني حلول الطيران الكهربائي العمودي ويخدم هذا النمط من النقل قطاع الأعمال والسياحة الفاخرة، ويوفر حلولاً لربط المراكز الحيوية بالإمارة في دقائق معدودة.

المنظومة المتكاملة تحت الأرض

وفيما  يخص البعد الثالث، فإن "دراسة إنشاء شبكات نقل بضائع وأفراد تحت الأرض تعد الثورة الحقيقية في المرحلة القادمة. فعندما ندرك أن أطوال الطرق الحالية في دبي إذا مُدّت في خط مستقيم تعادل نصف محيط الكرة الأرضية، يصبح التوسع الأفقي فوق الأرض مكلفاً ومحدوداً".

وسيتيح الانتقال الآمن إلى باطن الأرض لنقل البضائع  تفريغ الشوارع السطحية من الشاحنات وسيارات النقل الثقيل، ما يخفض تكلفة صيانة الطرق، ويرفع معدلات الأمان، ويحقق قفزة نوعية في سرعة توصيل الشحنات لقطاع التجارة الإلكترونية الذي ينمو بمعدلات ثنائية القيمة في المنطقة.

الذكاء الاصطناعي

لم تعد إدارة شبكة طرق بهذا التعقيد ممكنة بالوسائل التقليدية؛ وهنا تبرز أهمية إعلان الطاير عن توجه الهيئة لتطوير 100 منتج في مجال الذكاء الاصطناعي.

من الناحية التحليلية الاقتصادية، يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي وخوارزميات التعلم الآلي أداة لتعظيم القيمة العائدة من الأصول القائمة. فاستخدام البيانات الضخمة للتنبؤ بالاختناقات المرورية قبل حدوثها وتوجيه الرحلات ذاتية القيادة ديناميكياً يسهم في تقليل استهلاك الطاقة والوقود، ما يدعم ملف الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.

كما يسهم في تخفيض التكاليف التشغيلية لهيئة الطرق والمواصلات من خلال الصيانة التنبؤية للمترو، الحافلات، والجسور بناءً على تحليلات الذكاء الاصطناعي وتوفير بيئة خصبة لشركات التقنية الناشئة، مما يعزز مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي للإمارة.

وفي هذا الصدد، تشير تقارير مؤسسة "برايس ووترهاوس كوبرز" الاستشارية إلى أن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع النقل والخدمات اللوجستية بالشرق الأوسط يمكن أن يسهم بزيادة تصل إلى 14% في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بحلول 2030، وتأتي دبي في طليعة المدن المهيأة لحصد هذه المكاسب بفضل جاهزيتها الرقمية وتشريعاتها المرنة.

اقتصاد الحركة

تؤكد المعطيات والأرقام المذكورة أن دبي لا تبني مجرد شبكة مواصلات، بل تقدم صيغة جديدة لـ"اقتصاد الحركة"، فالربط المحكم بين الأبعاد الثلاثة للنقل والمدعوم بالذكاء الاصطناعي، يقلل من الهدر الاقتصادي، ويخلق فرصاً استثمارية جديدة في قطاعات الطاقة النظيفة، التكنولوجيا المتقدمة، والتطوير العقاري الذكي حول محطات النقل المستقبلية.

بالنسبة للمؤسسات المالية والصناديق الاستثمارية العالمية، فإن هذه المشاريع توفر فرصاً واعدة عبر نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتي أثبتت دبي نجاحها فيها تاريخياً.