تدفع طفرة بناء مراكز البيانات في الولايات الأمريكية، قطاعات محلية أخرى نحو النمو، من بينها شركات تقديم الطعام ومواقف السيارات والإسكان والمنازل المؤقتة، لتُتيح فرصاً تجارية تزدهر جنباً إلى جنب مع استثمارات التكنولوجيا.

أبرمت شركة "تارغت هوسبيتاليتي" العاملة في قطاع توفير الإقامة المؤقتة وخدمات الضيافة لفرق البناء، منذ يناير (كانون الثاني) حتى أغسطس (آب) 2026، عقوداً لتوفير أكثر من 9000 سرير لعمال مراكز البيانات، بقيمة إجمالية بلغت 1.4 مليار دولار.

في الخامسة صباحاً، بينما لا تزال مناطق في شمال فرجينيا تستعد لبداية يومها، يبدأ الطهاة في إعداد وجبات "الإنتشلادا وتاكو الروبيان" وكميات كبيرة من الأرز والفاصوليا، استعداداً لإطعام آلاف العمال المشاركين في بناء مراكز البيانات. 

خلف هذه الوجبات اليومية، تنمو سوق تجارية جديدة تستفيد من الطفرة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، وتفتح أبواباً أمام شركات صغيرة ومقدمي خدمات محليين لم تكن لهم صلة مباشرة بصناعة التكنولوجيا.

ازدهار خدمات تقديم الطعام 

تتولى شركة "ناشونال غوب سايت كاترينغ"، توفير الطعام للعاملين في مواقع إنشاء مراكز البيانات، بمتوسط 1500 وجبة يومياً في كل موقع من مواقعها الاثني عشر المنتشرة في ولايات أمريكية عدة، بينها فرجينيا وتكساس وأوهايو ولويزيانا ونيفادا وجورجيا. 

يتضاعف العدد في المواقع الأكثر ازدحاماً، فيما تتحمل شركات التكنولوجيا الكبرى تكاليف الوجبات، ضمن احتياجاتها اللوجستية لتشغيل مشروعات البناء الضخمة.

لكن الطعام ليس سوى حلقة واحدة في سلسلة اقتصادية سريعة النمو؛ تمتد من تأجير مواقف السيارات وإقامة العمال إلى خدمات الأمن والصيانة والنقل، في نموذج يتيح للشركات الاستفادة من مليارات الدولارات التي تُضخ في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حتى من دون تطوير رقائق أو برمجيات.

من شاحنات الطعام إلى سوق بملايين الدولارات

بدأت فكرة سكوت كابلان، مؤسس شركة "ناشونال غوب سايت" في إطعام عمال مراكز البيانات، بعدما طلبت منه شركة تكنولوجية كبرى توفير الطعام لنحو 2500 عامل في موقع بناء بالقرب من فيلادلفيا.

اقترح كابلان إعداد الوجبات في مطبخ مؤقت ونقلها مباشرة إلى الموقع، ومع إثبات النموذج نجاحه، استهدف توسيع نشاطه والاستعانة بمطاعم وموردين محليين وتوفير المعدات اللازمة لهم، إلى جانب مساعدتهم في تنظيم الإنتاج لتلبية الطلب الكبير خلال فترات قصيرة.

يوفر المشروع الواحد فرص عمل لـ 15 شخصاً من السكان المحليين في أعمال الطهي والتوصيل والتوزيع، وارتفعت إيرادات شركته الصغيرة 10 أضعاف على مدار أربع سنوات.

رياح التغيير تضرب قطاع المطاعم.. صراع البقاء بين التضخم والتحول الرقمي - موقع 24تحول كبير يشهده قطاع المطاعم، مدفوعاً بتغير عادات المستهلكين وارتفاع التكاليف وتداعيات جائحة كورونا، إلى جانب تسارع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تحسين إدارة المخزون وتحديد مستويات التوظيف، بما يتناسب مع الطلب المتوقع المتزامن مع الحفلات والأحداث الجماهيرية.

وتكمن أهمية هذا النموذج في قدرته على الانتقال مع فرق الإنشاءات؛ فالمشروع الذي يستمر من سنة إلى ثلاث سنوات قد ينتهي، لكن الشركة تستطيع نقل عملياتها إلى موقع جديد، ومواصلة تقديم الخدمات نفسها لمقاول آخر.

مواقف السيارات 

قبل وصول آلاف العمال إلى مواقع البناء، يحتاجون إلى أماكن لركن سياراتهم، وهي مشكلة لوجستية تحولت بدورها إلى فرصة تجارية، وهو ما فعلته شركة "وير آي بارك" بوصفها منصة لتأجير مواقف السيارات في المدن، لكن الطلب المرتبط بإنشاء مراكز البيانات أصبح من أسرع مجالات نموها في ظل طلبات توفير 2000 موقف للمشروع الواحد.

وتبحث الشركة عن مساحات يمكن استغلالها مؤقتاً، مثل مواقف الكنائس التي لا تُستخدم بكثافة طوال الأسبوع، أو مواقف مراكز التسوق المتعثرة، أو أراضي المعارض والكازينوهات القريبة، وفي المناطق النائية، قد يتطلب الأمر تجهيز الأراضي وتسويتها قبل استخدامها.

في ذلك، يستطيع أصحاب العقارات والأراضي تحقيق دخل من مساحات غير مستغلة دون الاضطرار إلى بيعها، فيما يحصل المقاولون على حل موحد لاحتياجاتهم بدلًا من التفاوض على عقود إيجار منفصلة في كل موقع.

أرباح مليارية في قطاع الإسكان

يمتد النشاط التجاري إلى توفير أماكن إقامة متكاملة لفرق البناء، في نموذج يشبه ما اعتادت شركات الطاقة تقديمه للعاملين في حقول النفط والمناطق النائية، إذ تعمل شركة "تارغت هوسبيتاليتي" التي تبلغ قيمتها 1.8 مليار دولار، على إنشاء وتشغيل أماكن إقامة لعمال بناء مراكز البيانات، مستفيدة من خبرتها السابقة في إسكان العاملين بقطاع النفط والغاز.

ومن بين مشروعاتها صفقة بقيمة 550 مليون دولار لإنشاء منشأة تضم 4000 سرير في شمال تكساس، تشمل غرفاً مفروشة، وثلاجات صغيرة وأفران ميكروويف، إلى جانب مطاعم مشتركة وصالات رياضية وخدمات إنترنت لاسلكي، مع إمكانية نقل الوحدات الجاهزة وإعادة استخدامها في مواقع أخرى.

وفي أغسطس (آب)، كشفت الشركة عن إبرام عقوداً منذ يناير (كانون الثاني) 2026، لتوفير أكثر من 9000 سرير بقيمة إجمالية بلغت 1.4 مليار دولار.