يستعد صندوق الثروة السيادي النرويجي، الأكبر من نوعه في العالم، والبالغ قيمته 2.3 تريليون دولار، لإنهاء سنوات من الحظر المفروض عليه للاستثمار في قطاع الصناعات الدفاعية.
وجاءت هذه الخطوة المرتقبة عقب توصيات لجنة "جيدرم" المستقلة، وتقضي بتعديل الضوابط الخاصة بالصندوق والسماح له بالاستثمار في شركات الدفاع الغربية الكبرى بشروط جديدة، على أن يحسم البرلمان النرويجي هذه التغييرات في منتصف عام 2027، بحسب تقرير لشبكة "سي إن بي سي".
مشهد عالمي متغير
ويُعد صندوق الثروة السيادي النرويجي الأكبر من نوعه عالمياً، ومن خلال امتلاكه حصصاً في نحو 1.5% من إجمالي الشركات المدرجة علناً في مختلف أنحاء العالم، ويتبوأ الصندوق مكانة قيادية كأكبر المستثمرين المؤثرين في أسواق الأسهم الدولية.
وتأسس الصندوق في تسعينيات القرن الماضي بهدف استثمار عائدات البلاد من قطاع النفط والغاز. وعلى الرغم من أن وزارتي المالية والبنك المركزي تتوليان جوانب الحوكمة، إلا أن القرارات الاستثمارية الفعلية تُدار عبر شركة إدارة الاستثمار لبنك النرويج (NBIM)، بالتنسيق مع "مجلس الأخلاقيات" المستقل الذي يتولى تاريخياً تقديم توصيات الاستثمار.
ما هي دوافع المراجعة ؟
رفعت لجنة "جيدرم" وهي لجنة حكومية مستقلة تم تعيينها بموجب قرار برلماني في نوفمبر(تشرين الثاني) 2025، برئاسة المحافظ السابق للبنك المركزي النرويجي سفين جيدرم، تقريرها للحكومة مؤخراً، وتضمن توصية مركزية تدعو إلى تغيير جذري في تعامل الصندوق مع الاستثمارات الدفاعية، مبررة ذلك بأنه "يجب على بنك النرويج أن يكون مستعداً لسيناريوهات تتصاعد فيها النزاعات إلى حروب شاملة.
وأرجعت اللجنة توقيت هذه المراجعة إلى تصاعد حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي، واستمرار الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، إلى جانب تزايد مخاوف أمن الطاقة العالمي، فضلاً عن التأثير المتنامي لحجم الصندوق ونطاق نفوذه الذي يمنحه فرصة أفضل للتواصل مع إدارات الشركات ومجالس إدارتها مقارنة بما كان عليه الوضع في عام 2003.
وفي السياق ذاته، حذرت اللجنة من أن "النظام الدولي القائم على القواعد أصبح في تراجع، وأن السياسات الاقتصادية تُستخدم بشكل متزايد كأدوات للسياسة الخارجية، ليصبح التعاون بين الدول أكثر إجرائية وقائماً على التفاوض".
تعديلات المعايير المقترحة
وتفرض القواعد الأخلاقية المعمول بها حالياً حظراً تاماً على استثمار الصندوق في عدد من كبرى الشركات الدفاعية، مثل "إيرباص"، و"بي أيه إي سيستمز" التي أُقصيت من محفظة الصندوق منذ عام 2018، و"بوينغ"، و"بي دبليو إكس تكنولوجيز" و"لوكهيد مارتن".
ومن جانبها، أوصت لجنة "جيدرم" بالإبقاء على معيار حظر الاستثمار في الأسلحة النووية، ولكن مع تغيير نطاقه ليصبح أكثر مرونة؛ وقال التقرير: "لا ينبغي للصندوق الاستثمار في الشركات التي تنتج أسلحة نووية، ما لم تكن الشركة مقيمة في دولة تمتلك أسلحة نووية بالفعل بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبناءً على ذلك، يمكن إعادة إدراج عدة شركات أوروبية وأمريكية تنتج مكونات للأسلحة النووية."
كما اقترحت اللجنة توسيع نطاق الاستثمار ليشمل الشركات التي تنتج أسلحة تحتاجها النرويج لدفاعها الخاص، مع التخلي عن الشرط السابق الذي يفرض تقييم مصنعي الأسلحة لمعرفة ما إذا كانت منتجاتهم تُستخدم من قبل الدول وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
وأكد التقرير أنه لن يتم فوراً إدراج أو استبعاد أي شركات جديدة من محفظة الصندوق نتيجة لتوصيات اللجنة، بل تمهد هذه التوصيات الطريق تدريجياً للاستثمار المستقبلي في شركات الدفاع الأمريكية والأوروبية المحظورة حالياً.
وستمر المقترحات بالمراحل الدستورية والتشريعية وتبدأ بالمشاورات العامة من خلال إجراء مشاورات واسعة النطاق حول التوصيات، ثم تقديم البنك المركزي رده الرسمي في يناير(كانون الثاني) القادم، ثم إعداد وزارة المالية لإطار أخلاقي جديد ورفعه في تقرير للبرلمان خلال فصل الربيع، ثم التصويت البرلماني والمتوقع إجراؤه في منتصف عام 2027 للبت النهائي في التغييرات، وحتى ذلك الحين، تظل القواعد الأخلاقية وإطار الاستبعاد الحالي سارية ودون أي تغيير.