لم تعد أزمة الديون في الدول النامية مرتبطة فقط بحجم الالتزامات، بل بكلفة خدمتها وشروط التمويل الجديد، وما تتركه من موارد للاستثمار والتنمية، في ظل الصدمات الجيوسياسية والتجارية.
وبلغ رصيد الدين الخارجي للدول النامية 12.3 تريليون دولار في 2025، بزيادة 508 مليارات دولار عن العام السابق، وفق تقرير "استدامة الدين الخارجي والتنمية 2026" الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). ورغم انخفاض خدمة الدين الإجمالية إلى 1.6 تريليون دولار في 2025، مقارنة بعام 2023، ارتفعت فوائد الديون الخارجية طويلة الأجل بنحو 14%.
فاتورة الدين تضيق الحيز المالي
وذكر تقرير "الأونكتاد" نفسه أن أقل البلدان نمواً أنفقت ما يعادل 18.2% من عائدات صادراتها على خدمة الدين الخارجي في 2025، فيما بلغت خدمة الدين العام الخارجي المضمون حكومياً ما يعادل 17.6% من إيراداتها الحكومية.
وفي تقرير عالم من الديون 2026، قدّر "الأونكتاد" الدين العام للدول النامية بنحو 35 تريليون دولار في 2025، وصافي مدفوعات فوائده بـ995 مليار دولار. وبلغت النسبة الوسيطة لصافي الفوائد إلى الإيرادات الحكومية 8.1%، فيما تنفق 51 دولة نامية على الفوائد أكثر مما تنفق على الصحة أو التعليم.
الدول النامية تفشل في العثور على إجابات للأزمات المتلاحقة - موقع 24لم تسفر اجتماعات الأسبوع الماضي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن أي إجابات جديدة للدول النامية بشأن أسئلة يطرحها صراع آخذ في الاتساع في الشرق الأوسط، والحرب المستمرة في أوكرانيا، ومدفوعات الديون المتزايدة، وفقاعة محتملة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
الصدمات العالمية تزيد الضغوط
وتوقع صندوق النقد الدولي، في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، نمو الاقتصاد العالمي 3.1%، وارتفاع التضخم إلى 4.7% خلال العام. وحذّر التقرير من تفاوت آفاق النمو بين الاقتصادات، مشيراً إلى أن الدول المستوردة للطاقة، خصوصاً الأقل اندماجاً في سلاسل القيمة التكنولوجية، تواجه ضغوطاً أكبر في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والمخاطر الجيوسياسية والتجارية.
مخاطر الديون تتصاعد بالاقتصادات المتقدمة
ويقدم توماس هاغارد، مدير المحافظ ضمن فريق ديون الأسواق الناشئة بالعملات الأجنبية في شركة "جانس هندرسن إنفسترز" في تصريحات خاصة لـ"24"، قراءة تضع مديونية الدول النامية في سياق أوسع، إذ يرى أن مخاطر الديون السيادية لا تقتصر على هذه الدول، بل تتصاعد أيضاً في الاقتصادات المتقدمة، بفعل ارتفاع تكاليف الفائدة وزيادة الإنفاق المرتبط بشيخوخة السكان، إلى جانب صعوبة إقرار إجراءات لضبط المالية العامة.
عوامل تعزز قدرة الاقتصادات على الصمود
وفي المقابل، يشير هاغارد إلى أن عدداً من الدول النامية عزز أطر سياساته الاقتصادية، وأعاد بناء احتياطياته الخارجية، ووسّع قاعدة المستثمرين المحليين في أدوات الدين، ما أسهم في تحسين قدرته على مواجهة الصدمات. وتكتسب هذه العوامل أهميتها من دورها في تعزيز قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها واحتواء الضغوط الخارجية، بدلاً من الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي الذي قد ترتفع كلفته أو تتقلص فرص الحصول عليه عند اضطراب الأسواق.
ارتفاع كلفة رأس المال يفاقم مخاطر إعادة التمويل
ولا تتساوى الدول النامية في مستوى تعرضها للمخاطر؛ إذ تتوقف قدرتها على تحمّل أعباء الدين على أوضاعها المالية، وحجم التزاماتها بالعملات الأجنبية، واحتياجاتها لإعادة التمويل. ويحذر هاغارد من أن ارتفاع تكلفة رأس المال عالمياً يضيّق هامش المناورة أمام الحكومات، إذ لا يرفع كلفة الاقتراض الجديد فحسب، بل يزيد أيضاً صعوبة إعادة تمويل الديون المستحقة، خصوصاً عندما تكون آجال الاستحقاق قصيرة أو تكون الاحتياجات التمويلية كبيرة. وفي هذه الظروف، تصبح معالجة الاختلالات مبكراً أقل كلفة من تأجيلها، فيما تتطلب الديون غير المستدامة إعادة هيكلة منسقة مع الدائنين، بالتوازي مع تعديلات موثوقة في السياسات الاقتصادية.
الاقتراض المحلي.. كلفة أعلى وضغوط على الائتمان
وفي تقرير "استدامة الدين الخارجي والتنمية 2026"، أشار "الأونكتاد" إلى أن الدين المحلي مثّل 81% من إجمالي الدين الحكومي العام في الدول النامية خلال 2024، وأن تكلفة الاقتراض المحلي تجاوزت تكلفة الاقتراض الخارجي بمتوسط 2.8 نقطة مئوية خلال الفترة من 2014 إلى 2024.
وحذّر التقرير من أن زيادة الاعتماد على الاقتراض المحلي قد تحدّ من الائتمان المتاح للقطاع الخاص، عندما تركز المؤسسات المالية المحلية بصورة كبيرة على حيازة السندات الحكومية.
"لا وقت للتعافي".. تحذير أممي من "صدمة ثلاثية" للدول النامية - موقع 24حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) من أزمة اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة تجتاح نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نتيجة تضافر ثلاث صدمات متزامنة متمثلة في الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، والتداعيات المناخية الكارثية لظاهرة "النينو"، والقفزة القياسية في تكاليف الاقتراض العالمي.
مصر وباكستان.. بين إعادة التمويل والإنفاق الاجتماعي
وفي مصر، توقع صندوق النقد الدولي، في تحليل نشره في 21 سبتمبر (أيلول) 2026، أن تبقى احتياجات التمويل الإجمالية للحكومة عند نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى القريب، قبل أن تتراجع تدريجياً إلى أقل من 30% بحلول 2030. وأشار إلى اعتماد الحكومة بدرجة كبيرة على أدوات التمويل قصيرة الأجل، داعياً إلى التوجه نحو التمويل القائم على السوق بآجال أطول، وتوسيع قاعدة المستثمرين، للحد من مخاطر إعادة التمويل وتعزيز استدامة الدين.
أما في باكستان، أشار بيان صندوق النقد الدولي، الصادر في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، إلى ضرورة خفض مخاطر إعادة تمويل الديون وتكاليف خدمتها، في ظل ارتفاع احتياجات التمويل الإجمالية. وذكر أن الإنفاق على الصحة والتعليم ارتفع من 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2023/2024 إلى 2.5% في السنة المالية 2025/2026، فيما تعهدت السلطات برفعه إلى 2.8% في السنة المالية 2026/2027.
60 يوماً حاسمة للاقتصادات النامية.. النفط والسندات يحددان مسار الأزمة - موقع 24في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، يتبنى البنك الدولي توجهاً لإغاثة 30 إلى 40 دولة معرضة لصدمات الطاقة وارتفاع الأسعار.
ما دور المؤسسات الدولية؟
تختلف أدوار المؤسسات الدولية بحسب طبيعة الأزمة واحتياجات الدولة؛ إذ يقدم صندوق النقد الدولي تمويلاً للدول التي تواجه صعوبات في ميزان المدفوعات، لمساعدتها على معالجة الاختلالات واستعادة الاستقرار الاقتصادي، بينما يمول البنك الدولي البرامج الحكومية ومشروعات التنمية، بما يشمل البنية التحتية والخدمات الاجتماعية والإصلاحات المؤسسية.
وتختلف معالجة الديون بحسب مدى استدامتها؛ فوفقاً لصندوق النقد الدولي، قد تكون إعادة جدولة المدفوعات أو تأجيلها مناسبة للدول التي تستطيع تحمّل ديونها على المدى الطويل لكنها تواجه ضغوطاً في السيولة، في حين قد تتطلب الديون غير المستدامة إعادة هيكلة تخفض أعباءها بما يكفي لاستعادة استدامتها. ويحدد تقييم استدامة الدين احتياجات المعالجة وفقاً لظروف كل دولة.
وفي هذا السياق، يدعو مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، في تقرير "استدامة الدين الخارجي والتنمية 2026"، إلى توسيع التمويل الميسّر، وتحسين إجراءات إعادة هيكلة الديون، وتعزيز إدارة الدين، وعكس مسار تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية.
من احتواء الضغوط إلى تمويل التنمية
لا يتوقف تجاوز أزمة الديون على الحصول على قروض جديدة، بل على تكلفتها وآجالها وقدرة الدولة على السداد، مع الحفاظ على الموارد اللازمة للاستثمار والخدمات الأساسية، وتظل فاعلية الأدوات الدولية مرتبطة بظروف كل دولة وقدرتها على تنفيذ الإصلاحات ومواجهة الصدمات الخارجية.