تعيش الأسواق المالية العالمية واحدة من أكثر فتراتها اضطراباً، إذ رسمت التحركات الأخيرة لأسعار السلع الأساسية مشهداً متناقضاً أربك الحسابات التقليدية للمستثمرين.
ففي الوقت الذي تسجل فيه أسعار النفط قفزات حادة متجاوزة عتبة 117 دولاراً للبرميل، شهدت أسواق الذهب تراجعاً غير متوقع، بهبوط أسعاره دون مستوى 4000 دولار للأونصة للمرة الأولى منذ أواخر يوليو الماضي، ما يمثل تراجعاً بنحو 15% من القمة المسجلة في أغسطس.
فك شفرة الانفصال
تصدرت هذه المفارقة تحليلات كبرى المؤسسات الاستثمارية الدولية، التي تحاول فك شفرة "الانفصال الاستراتيجي" بين الملاذ الآمن التقليدي، وهو الذهب، ومحرك التضخم العالمي، وهو النفط، وسط تصاعد نبرة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، والمخاوف المتزايدة من اندلاع مواجهة شاملة قد تعيد صياغة المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي.
وجرت العادة أن يتسابق المستثمرون نحو الذهب كحائط صد في أوقات الحروب، إلا أن ما تشهده منصات التداول حالياً يعكس ضغوطاً مختلفة تماماً، تتمثل في أزمة سيولة حادة وعوامل نقدية معقدة.
وتشير تحليلات مؤسسة "إيكويتي الدولية" إلى أن الهبوط الحاد للذهب دون مستوى 4000 دولار يرتبط بشكل وثيق بموجة بيع قسرية في أسواق الأسهم والشركات القائمة على الذكاء الاصطناعي.
وفي مثل هذه الأزمات الحادة، يلجأ كبار المستثمرين وصناديق التحوط إلى تسييل أرباحهم من الذهب لتغطية خسائرهم ومتطلبات الهامش في الأسواق الأخرى، ما يولد ضغطاً بيعياً عنيفاً يدفع الأسعار إلى الهبوط، بصرف النظر عن جاذبية المعدن.
ارتفاع النفط ومخاوف التضخم يدفعان الذهب دون 4000 دولار - موقع 24واصلت أسعار المعادن النفيسة خسائرها، مع تراجع الذهب إلى ما دون مستوى 4 آلاف دولار للأونصة، وهبوط الفضة إلى أدنى مستوى لها منذ نحو عام، وسط ضغوط ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط ومخاوف التضخم، وترقب المستثمرين قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة الأسبوع المقبل.
سلوك الذهب في الأزمات
وفي تقرير حديث، أفاد مجلس الذهب العالمي بأن سرعة هبوط المعادن الثمينة واتساع نطاقه يعيدان إلى الأذهان سلوك الذهب خلال أزمة عام 2008 والمراحل الأولى من جائحة كورونا في 2020. وأوضح المجلس أن ديناميكيات السيولة المؤقتة تتفوق حالياً على العوامل الأساسية، ما يعني أن التراجع نتاج عوامل فنية ونقدية، وليس دليلاً على تراجع جاذبية المعدن كأصل استراتيجي على المدى الطويل، خاصة مع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وقوة الدولار الأمريكي التي ترفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب.
وعلى النقيض تماماً، تتصرف أسواق النفط كمرآة مباشرة للتهديد العسكري في مضيق هرمز، إذ قفز خام برنت القياسي فوق مستوى 117 دولاراً للبرميل، مسجلاً ثالث مكسب أسبوعي متتالٍ.
وتأتي هذه القفزة، التي رفعت أسعار النفط بنحو 79% مقارنة بمستوياتها في الفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعة بمخاوف من ضربات أمريكية وشيكة ضد منشآت إيرانية، عقب انقضاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
أسعار الذهب تواصل الانخفاض في الإمارات - موقع 24واصلت أسعار الذهب في الإمارات، السبت، انخفاضها لليوم الخامس على التوالي، وسط ارتفاع أسعار النفط وصدور بيانات اقتصادية أمريكية قوية، ما عزز التوقعات باستمرار مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) في الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
مفترق طرق
وتتصاعد التوقعات في أروقة "وول ستريت" بأن هذه التحركات باتت وشيكة، خاصة في ظل غياب أي أفق للتفاوض مع طهران، ما يهدد ممرات الطاقة الحيوية التي يمر عبرها نحو خُمس استهلاك النفط العالمي. ويحول ذلك المضيق إلى نقطة اشتعال قصوى، قد يترتب عليها خروج ملايين البراميل من السوق يومياً، وهو السيناريو الذي يسعّر المستثمرون مخاطره مسبقاً، بالتزامن مع إجراءات إخلاء دبلوماسية، وتقارير عن انتقال بعض شركات الطاقة الكبرى في المنطقة إلى العمل عن بُعد، ما يعطي الأسواق مؤشرات ملموسة على اقتراب المخاطر الميدانية.
وتقف الأسواق الدولية اليوم أمام مفترق طرق خطير، إذ تجمع كبرى المؤسسات الاستثمارية، مثل "دويتشه بنك" و"ويلز فارغو"، على أن الاقتصاد العالمي يواجه صدمة مزدوجة إذا انزلقت المنطقة إلى حرب شاملة ومفتوحة.
وفي هذا السياق، يتوقع المحللون صعوداً مستمراً لخام برنت نحو مستويات تتراوح بين 120 و125 دولاراً، بل قد يتجاوز 140 دولاراً في حال إغلاق مضيق هرمز جزئياً، ما يهدد بحدوث ركود تضخمي عالمي يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد ومصانع الإنتاج في أوروبا وآسيا.
وفي المقابل، يرى الخبراء أن التذبذب الحالي والضغوط الهبوطية التي تدفع الذهب إلى ما دون 4000 دولار يمثلان تراجعاً مؤقتاً، إذ تتوقع مؤسسات مالية دولية ارتداداً قوياً للمعدن الأصفر نحو مستويات قد تصل إلى 6000 دولار، بمجرد انتهاء صدمة السيولة الحالية واتجاه المستثمرين على نطاق واسع نحو الملاذات الآمنة لحماية ثرواتهم من التضخم المتوقع.
أزمة تضخمية
ويؤكد السلوك الحالي للأسواق أن مجتمع المال والأعمال الدولي بات يتعامل مع فرضية المواجهة العسكرية الشاملة باعتبارها احتمالاً مرتفعاً، لا مجرد مناوشات عابرة.
ويبرهن الارتفاع الصاروخي للنفط على أن أسواق الطاقة تشعل بالفعل فتيل أزمة تضخمية جديدة، بينما يعكس انكفاء الذهب المؤقت مرحلة من الهدوء الفني الذي يسبق العاصفة التمويلية، في وقت تلتهم فيه الخسائر في الأسواق الأخرى السيولة المتاحة.
وإذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية الدولية في كبح التصعيد الجاري، فقد يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام سيناريو يكرر أزمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، حيث يجتمع ارتفاع أسعار النفط مع تراجع معدلات النمو، ليدفعا بالأسواق نحو ركود تضخمي تتغير معه قواعد الاستثمار والتحوط بشكل جذري.