تشهد الساحة المالية العالمية واحدة من أكثر فتراتها حرجاً واستثنائية، إذ تترقب الأوساط الاقتصادية أسبوعاً حاسماً تتشابك فيه القرارات النقدية مع إعلانات أرباح عمالقة التكنولوجيا وصخب السياسة الأمريكية.

ويوصف الأسبوع الجاري  في الأروقة الاستثمارية بأنه أسبوع رسم الاتجاه لما تبقى من العام، إذ سيعيد صياغة حركة الدولار والذهب والأسهم في ظل معطيات جيوسياسية ومصرفية بالغة التعقيد.

تحديث.. الذهب يصعد مع انخفاض أسعار النفط - موقع 24ارتفعت أسعار الذهب، الإثنين، مع انخفاض أسعار النفط الذي خفف من المخاوف المرتبطة بالتضخم، في حين يترقب المستثمرون قرار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) هذا الأسبوع.

أسعار الفائدة

وينصب الاهتمام الأكبر للأسواق نحو بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي يعقد اجتماعه وسط توقعات شبه إجماعية من قبل المؤسسات الاستثمارية بتثبيت أسعار الفائدة عند نطاقها الحالي البالغ 3.75%–4%.

ومع ذلك، فإن التثبيت لا يعني هدوء العاصفة، بل يمثل هدوءاً يسبق التحول، إذ تترقب الأسواق بحذر أول المؤشرات اللفظية والتصريحات الصادرة عن رئيس الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، بشأن احتمالية رفع الفائدة في اجتماع ديسمبر (كانون الأول) المقبل بمقدار 25 نقطة أساس نتيجة لمرونة الاقتصاد الأمريكي ومخاوف عودة التضخم.

وستدفع أي إشارة قوية من وارش بهذا الصدد عوائد السندات الأمريكية للصعود، ما يقدم دعماً فورياً للدولار على حساب المعادن الثمينة.

"سبيس إكس" تؤمن تمويلاً بـ40 مليار دولار لشراء رقائق "إنفيديا" - موقع 24أعلن الملياردير الأمريكي، إيلون ماسك، أن شركة "سبيس إكس" أغلقت صفقة تمويل بالدين بقيمة 40 مليار دولار لشراء رقائق حاسوبية من المتوقع استخدامها في توسيع قدراتها التقنية، في واحدة من كبرى اتفاقات التمويل المرتبطة باستثمارات المؤسسة.

نتائج شركات التكنولوجيا

وعلى جبهة الشركات، يدخل قطاع التكنولوجيا مرحلة مخاض حقيقي مع إعلان نتائج عمالقة وادي السيلكون مثل مايكروسوفت وألفابت، إذ تمثل هذه الشركات مجتمعة كتلة نقدية وسوقية تقارب 8 تريليونات دولار، ما يجعل لنتائجها وزناً ثقيلاً قادراً على توجيه مؤشري إس آند بي 500 ونازداك نحو مستويات قياسية جديدة أو التسبب في موجة تصحيح حادة.

وتشير تقارير مؤسسة أوندا المالية إلى أن السؤال الجوهري الذي يبحث المستثمرون عن إجابة له يكمن في مدى قدرة نمو عوائد الذكاء الاصطناعي على تجاوز النفقات الرأسمالية المتصاعدة.

وتتركز الأنظار على أداء قطاعات الحوسبة السحابية مثل "غوغل كلاود" وأزور بعدما رفع "جي بي مورغان" السعر المستهدف لسهم ألفابت بناءً على توقعات بمضاعفة الإيرادات السحابية، رغم أن تكاليف الطاقة المرتفعة واستهلاك مراكز البيانات باتا يهددان الهوامش التشغيلية للشركات الكبرى.

أشباه الموصلات والرقائق

وبالتوازي، تتزايد الضغوط البيعية والتحذيرية مع ترقب نتائج أمازون وإنتل وسانديسك، والتي ستقدم قراءة دقيقة لمدى قوة الطلب العالمي على أشباه الموصلات والرقائق والذاكرة، وهي المكونات الأساسية لثورة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث إن أي تباطؤ في إرشادات الشركات المستقبلية قد يذكي مخاوف الأسواق من أن طفرة الذكاء الاصطناعي ربما تبالغ في تقييماتها الحالية.

الاستهلاك الشخصي

ولن تقتصر التطورات على سياسات البنوك وأرباح الشركات، إذ يستعد الاقتصاد الأمريكي للإفراج عن حزمة بيانات بالغة الأهمية تشمل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي الأمريكي.

كما سيتم الإعلان عن  بيانات نمو الناتج المحلي الإجمالي والتي ستكشف مدى قدرة الاقتصاد على الهبوط الناعم أو ما إذا كان لا يزال يسير برتم متسارع يستدعي كبحاً نقدياً إضافياً.

"نيكي" يتراجع للجلسة الثالثة مع هبوط أسهم الرقائق - موقع 24انخفض المؤشر نيكي الياباني بشكل طفيف، الإثنين، متأثراً بهبوط أسهم شركات الرقائق الإلكترونية عقب خسائر وول ستريت، في حين ارتفعت أسهم شركات الطاقة بدعم من صعود أسعار النفط.

الفائدة اليابانية

وفي النصف الآخر من الكرة الأرضية، يتأهب بنك اليابان لإعلان قرار الفائدة في وقت يشهد فيه التضخم الأساسي في اليابان تسارعاً ملحوظاً ليصل إلى مستويات 2.1%.

وتتوقع الأسواق أن أي تلميح من البنك المركزي الياباني نحو التخلي عن سياساته التيسيرية أو رفع الفائدة مجدداً سيتسبب في تقلبات حادة في أسواق العملات، حيث إن تعافي الين الياباني السريع قد يؤدي إلى تصفية مراكز ما يُعرف بتجارة العائد، وهو ما يهدد بإحداث هزات ارتدادية سريعة في أسواق الأسهم العالمية نظراً لترابط السيولة بين طوكيو ونيويورك.

المؤشرات السياسية

ولا يمكن فصل المشهد الاقتصادي الحالي عن ظلاله السياسية، إذ يأتي اجتماع الفيدرالي الأمريكي وقراراته قبل أيام معدودة من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث يسعى الحزب الديمقراطي بكل قوته للاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وهو أمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى رضاء الناخب الأمريكي عن الوضع الاقتصادي وكلفة المعيشة.

ويضع هذا التوقيت الحرج رئيس الفيدرالي كيفن وارش في حقل ألغام سياسي، فأي تشديد نقدي أو إشارات هجومية برفع الفائدة قد تفسر على أنها تزيد من الضغوط على الأسواق والاقتصاد قبيل التصويت، بينما التراخي قد يُفهم كاستسلام للضغوط السياسية، غير أن الأوساط الاستثمارية تثق بأن الفيدرالي سيسعى لإثبات استقلاليته التامة والتركيز الصارم على مستويات التضخم والتوظيف بعيداً عن الاستقطاب الحزبي.

المليارديرات الجدد في أمريكا والصين يعززون ثرواتهم بفضل الذكاء الاصطناعي - موقع 24يواصل الذكاء الاصطناعي صناعة ثروات بوتيرة غير مسبوقة في الولايات المتحدة والصين، إذ ارتفعت الثروة المجمعة للمليارديرات الجدد في القطاع بالبلدين بنحو 87 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، لتصل إلى 214 مليار دولار، وفقاً لبيانات وكالة "بلومبرغ".

تحديد مسار بقية 2026

وتجمع بيوت الخبرة العالمية على أن مخرجات  الأسبوع  الجاري ستشكل البوصلة الاستثمارية حتى نهاية العام الحالي، حيث يتلخص السيناريو الصعودي للأسهم العالمية في ظهور عوائد حقيقية للذكاء الاصطناعي مع لغة مرنة من الفيدرالي، بينما يتجلى السيناريو الهبوطي في صدور إشارات تشددية صريحة من كيفن وارش ونفقات رأسمالية تلتهم أرباح عمالقة السحابية.

وفي المقابل، سيتلقى الدولار الأمريكي دعماً قوياً إذا جاءت بيانات التضخم مرتفعة لتؤكد احتمالية رفع الفائدة في ديسمبر، في حين أن البيانات الاقتصادية الضعيفة ستدفعه للتراجع وتجبر الفيدرالي على تبني مسار تيسيري أطول مدى، وهو ما سيعيد صياغة حركة الذهب.

وفي ظل الحقائق السابقة، فإن  المستثمرين مطالبون بحبس الأنفاس، فالأسواق لا تواجه مجرد أسبوع حافل بالبيانات، بل تواجه مرحلة إعادة تقييم شاملة للسياسات النقدية وجدوى طفرة الذكاء الاصطناعي ومستقبل التوازن السياسي والاقتصادي العالمي.