في خطوة تعكس إصرار بكين على تسريع بناء منظومة تكنولوجية محلية قادرة على تجاوز القيود الأمريكية، تستعد شركة "سي إكس إم تي" (CXMT)، إحدى أكبر شركات تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) في الصين، لبدء الإنتاج المحدود لرقائق الذاكرة المتقدمة عالية النطاق الترددي المستخدمة في معالجات الذكاء الاصطناعي، رغم ارتفاع تكاليف التصنيع ومحدودية الإنتاج الصالح للاستخدام، التي قد لا تتجاوز 20% من إجمالي الرقائق المنتجة.

ويكشف هذا التوجه عن حجم الضغوط التي تواجهها الصين لتأمين إمدادات محلية من هذه الرقائق الحيوية، حتى مع ارتفاع كلفة الإنتاج ومخاطره.

وكشفت مصادر مطلعة لوكالة رويترز أن الشركة الوطنية الصينية أرسلت بالفعل عينات من رقائق (HBM3E) إلى عدد من أبرز مصممي رقائق الذكاء الاصطناعي المحليين، تمهيداً لبدء خطط إنتاج تجاري محدود خلال الشهرين المقبلين.

 وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء على عمق الأزمة التي يواجهها قطاع التكنولوجيا الصيني في تأمين مكونات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وسط تشديد واشنطن لقيود التصدير على التقنيات ذات الاستخدام المزدوج.

ضغوط التوريد ومعادلة الكلفة

وتُعد الذاكرة ذات النطاق الترددي العالي (HBM) عنصراً حاسماً لا يمكن الاستغناء عنه في صناعة معالجات الرسومات الحديثة المخصصة لتدريب وتشغيل نماذج اللغات الكبيرة، وتعتمد هذه التقنية على تجميع طبقات متعددة من رقائق الذاكرة بشكل عمودي متطور، مما يسمح بنقل الكميات الضخمة من البيانات بسرعة فائقة بين الذاكرة والمعالج الرئيسي.

ومع فرض وزارة التجارة الأمريكية قيوداً صارمة في ديسمبر(كانون الأول) 2024 على شحن أجهزة الذاكرة المتقدمة إلى الشركات الصينية، وجد المصممون المحليون أنفسهم أمام نقص حاد هدد بإعاقة المبادرات التي تدعمها الحكومة الصينية لتطوير بدائل محلية تكون قادرة على منافسة المعالجات القياسية التي تنتجها عملاق التكنولوجيا الأمريكي "إنفيديا".

وهذا التشديد في الإمدادات دفع الشركات الصينية للبحث عن حلول بديلة عبر قنوات غير رسمية في الأسواق الموازية، حيث تباع هذه الشرائح بأسعار مضاعفة تصل إلى عدة أضعاف قيمتها الحقيقية. وهو ما جعل الاعتماد على الإنتاج المحلي، حتى وإن كان مكلفاً وغير كفء في مراحله الأولى، خياراً استراتيجياً لا بديل عنه لحماية الأمن التكنولوجي القومي.

رهانات الكفاءة 

وتكمن العقبة الكبرى أمام شركة "CXMT" في معدلات العائد، وهي النسبة المئوية للرقائق التي تخرج من خطوط الإنتاج متطابقة مع المواصفات الفنية المعتمدة.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة الرقائق الصالحة للاستخدام لدى الشركة الصينية تتراوح حالياً بين 20% و30% فقط، وهو ما يعني التخلص من نحو 70% إلى 80% من إجمالي الإنتاج أو إعادة معالجته لكشف العيوب.

في المقابل، تحقق شركة "إس كيه هاينكس" (SK Hynix) الكورية الجنوبية، التي تستحوذ على نحو نصف الإيرادات العالمية من رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي، معدلات إنتاج تصل إلى 70%، ما يعني أن معظم الرقائق التي تصنعها صالحة للاستخدام. ويمنحها ذلك ميزة تنافسية واضحة، إذ يخفض تكلفة الإنتاج ويعزز قدرتها على تلبية الطلب وتسليم الرقائق بسرعة.

ويرى خبراء أن انخفاض معدلات العائد يجعل عملية الإنتاج الصينية مكلفة بشكل استثنائي، حيث تضطر الشركة إلى تحميل تكاليف الرقائق التالفة على المنتج النهائي.

وبالفعل، انعكست هذه الفجوة مباشرة على أسواق الذكاء الاصطناعي في الصين، إذ أقدمت شركات كبرى مثل "هواوي" و"كامبريكون" و"ميتا إكس" على رفع أسعار معالجاتها بنسب تراوحت بين 20% و50% لمواجهة ارتفاع تكاليف الذاكرة وسلسلة الإمداد.

الفجوة التقنية 

وتوضح صعوبة تصنيع شرائح الذاكرة متقدمة النطاق اتساع الفجوة التقنية بين صانعي أشباه الموصلات الصينيين وقادة الصناعة العالميين مثل "إس كيه هاينكس"، و"سامسونغ للإلكترونيات"، و"مايكرون تكنولوجي".

 وبحسب بيانات مؤسسة الأبحاث "كانتربوينت"، تسيطر الشركة الكورية الجنوبية SK Hynix على 50% من إيرادات HBM العالمية، تليها سامسونغ بنسبة 33%، ثم مايكرون الأمريكية بنسبة 18%.

وفي الوقت الذي بدأت فيه شركة سامسونغ بتوسع مبيعات جيل "HBM4" وتوزيع عينات من جيل "HBM4E" على كبار العملاء الدوليين، أظهرت الاختبارات الأولية أن أداء ذاكرة "CXMT" الجديدة لا يزال أقرب إلى الجيل السابق (HBM3)، مما يضع الصين متأخرة بجيل كامل على الأقل عن سباق الإنتاج التجاري العالمي.