لم تعد الرقائق الإلكترونية والخوادم المستفيد الوحيد من طفرة الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي، إذ تتجه الأنظار إلى صناعة البطاريات بوصفها أحد المكونات الأساسية لضمان استمرارية تشغيل مراكز البيانات وإدارة احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء، ما يفتح سوقاً جديدة أمام الشركات المصنعة، وفقاً لتقرير لصحيفة "فاينانشيال تايمز" وبيانات وكالة الطاقة الدولية.

ويأتي هذا التحول مع تباطؤ الطلب على بطاريات السيارات الكهربائية في السوق الأمريكية، ما يدفع شركات كورية جنوبية إلى إعادة تجهيز بعض خطوط إنتاجها لتصنيع بطاريات أنظمة تخزين الطاقة، مستفيدة من منشآتها القائمة وارتفاع الطلب على حلول الطاقة المرتبطة بمراكز البيانات، بحسب وكالة "إيه جيه بي" الكورية الجنوبية.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الطلب
وتحتاج مراكز البيانات إلى إمدادات كهربائية عالية الاعتمادية لتشغيل الخوادم والمعالجات وأنظمة التبريد، خصوصاً مع التوسع في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، وهو ما يزيد أهمية البطاريات وأنظمة الإمداد الاحتياطي في البنية التحتية الرقمية، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

وتؤدي البطاريات وظيفتين مختلفتين في هذه المنظومة؛ إذ توفر بطاريات الإمداد غير المنقطع طاقة فورية عند اضطراب التيار الكهربائي، بينما تستطيع أنظمة تخزين الطاقة واسعة النطاق تخزين الكهرباء وإطلاقها عند الحاجة، بما يساعد على إدارة الأحمال ودعم استقرار الإمدادات، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

وتشير الوكالة إلى أن مراكز البيانات استهلكت نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء خلال 2024، بما يعادل %1.5 من الاستهلاك العالمي، وتتوقع ارتفاع الطلب إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030، أي أكثر من ضعف مستواه، وفق السيناريو الأساسي الوارد في تقريرها "الطاقة والذكاء الاصطناعي".

وتتوقع الوكالة نمو استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بنحو %15 سنوياً بين 2024 و2030، مع اعتبار الخوادم المتخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي أحد المحركات الرئيسية للزيادة، إلى جانب استمرار نمو الخدمات الرقمية التقليدية، وفقاً للتقرير نفسه.

"سامسونغ إس دي آي" تعود إلى الربحية
وتبرز شركة "سامسونغ إس دي آي" الكورية الجنوبية نموذجاً للتحول الجاري في صناعة البطاريات، بعدما سجلت إيرادات بلغت 4.69 تريليونات وون، تعادل نحو 3.3 مليارات دولار، خلال الربع الثالث من 2026، بزيادة سنوية قدرها %52.6، وفقاً للنتائج المالية الرسمية التي أعلنتها الشركة في 29 أكتوبر (تشرين الأول).

وحققت الشركة أرباحاً تشغيلية بلغت 407.8 مليارات وون، تعادل نحو 285 مليون دولار، مقارنة بخسائر تشغيلية قدرها 591.3 مليار وون في الفترة المقابلة من العام الماضي، مسجلة أعلى أرباح تشغيلية فصلية خلال 12 ربعاً، بحسب بيان "سامسونغ إس دي آي".

وعزت الشركة تحسن أدائها إلى نمو مبيعات أنظمة تخزين الطاقة ووحدات البطاريات الاحتياطية المستخدمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب زيادة مبيعات البطاريات الأسطوانية المخصصة للأدوات الكهربائية والسيارات، وفقاً لإعلان نتائج أعمالها.

وأوضحت أن طلبات بطاريات تخزين الطاقة التي حصلت عليها منذ بداية العام تجاوزت 60 غيغاواط/ساعة حتى أكتوبر (تشرين الأول)، بما يدعم تشغيل خطوط الإنتاج التابعة لها في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية خلال الفترة المقبلة، وفقاً لبيان الشركة وتقرير وكالة "إيه جيه بي".

مصانع السيارات تتحول إلى تخزين الكهرباء
ولا يقتصر التحول على "سامسونغ إس دي آي"، إذ تعمل شركات كورية أخرى على الاستفادة من الطاقات الإنتاجية غير المستغلة في مصانع بطاريات السيارات الكهربائية لتلبية الطلب على بطاريات التخزين، خصوصاً في أمريكا الشمالية، بحسب وكالة "إيه جيه بي".

وبدأت "سامسونغ إس دي آي" الإنتاج التجاري لبطاريات فوسفات الحديد والليثيوم المخصصة لتخزين الطاقة في مشروع "ستار بلس إنرجي" المشترك مع "ستيلانتيس" بولاية إنديانا الأمريكية خلال أكتوبر (تشرين الأول)، في خطوة تعكس إعادة توجيه جزء من الاستثمارات الصناعية نحو سوق التخزين، وفقاً لإعلان الشركة.

وفي السياق نفسه، توسع "إل جي إنرجي سوليوشن" إنتاج بطاريات التخزين في أمريكا الشمالية، بينما تعمل "إس كيه أون" على تحويل خطوط إنتاج في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة لتلبية الطلب الجديد، وفقاً لوكالة "إيه جيه بي".

وتشير هذه التحركات إلى أن المنافسة بين مصنعي البطاريات لم تعد مرتبطة حصرياً بحجم مبيعات السيارات الكهربائية، بل أصبحت تشمل القدرة على توفير حلول تخزين تتناسب مع احتياجات مراكز البيانات وشبكات الكهرباء، وفقاً لتقرير "فاينانشيال تايمز" وبيانات الشركات الكورية.

الصين تهيمن على السوق
ورغم الفرص التي يتيحها الطلب المتزايد، تواجه الشركات الكورية منافسة قوية من المصنعين الصينيين، الذين يمتلكون حضوراً واسعاً في سوق بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، المستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج واتساع سلاسل التوريد، وفقاً لبيانات مؤسسة الأبحاث "إس إن إي ريسيرش".

واستحوذت شركتا "كاتل" و"هايثيوم" الصينيتان على %56 من شحنات بطاريات أنظمة تخزين الطاقة في أمريكا الشمالية خلال النصف الأول من 2026، بواقع %38.8 و%17.2 على الترتيب، وفقاً لبيانات "إس إن إي ريسيرش" التي أوردتها وكالة "إيه جيه بي".

وفي المقابل، بلغت الحصة المجمعة لشركتي "إل جي إنرجي سوليوشن" و"سامسونغ إس دي آي" الكوريتين %19.7، موزعة بين %13.6 للأولى و%6.1 للثانية، ما يعكس الفجوة القائمة بين المجموعتين في السوق نفسها، بحسب بيانات "إس إن إي ريسيرش".

وعلى مستوى الشركات الصينية مجتمعة، بلغت حصتها نحو %76 من شحنات بطاريات التخزين في أمريكا الشمالية خلال النصف الأول من العام، ما يشير إلى أن المنافسة الكورية تواجه قاعدة صناعية صينية واسعة، وفقاً لوكالة "إيه جيه بي" استناداً إلى بيانات مؤسسة الأبحاث.

قيود التجارة تفتح فرصاً جديدة
ومع تشديد الولايات المتحدة القيود التجارية والتنظيمية على بعض البطاريات والمكونات الصينية، تتزايد أهمية الإنتاج المحلي وتنويع الموردين بالنسبة إلى مشروعات تخزين الطاقة الأمريكية، وهو ما قد يمنح الشركات الكورية فرصة لتوسيع حصصها السوقية، وفقاً لوكالة "إيه جيه بي".

وارتفعت الرسوم الجمركية الأمريكية على بطاريات الليثيوم أيون الصينية غير المخصصة للسيارات من %7.5 إلى %25 في يناير (كانون الثاني) 2026، بالتزامن مع قيود إضافية تتعلق بسلاسل التوريد والاستفادة من بعض الحوافز الضريبية، بحسب وكالة "إيه جيه بي".

غير أن هذه التطورات لا تعني انتقال الهيمنة السوقية تلقائياً إلى الشركات الكورية، إذ يتوقف حجم استفادتها على قدرتها على زيادة الإنتاج المحلي، وتقديم أسعار تنافسية، وتأمين عقود توريد طويلة الأجل، وفقاً لتحليلات مؤسسة "إس إن إي ريسيرش".

سوق عالمية تتجاوز السيارات
وتكشف بيانات "إس إن إي ريسيرش" أن الشحنات العالمية لبطاريات الليثيوم أيون المستخدمة في أنظمة تخزين الطاقة بلغت 461.3 غيغاواط/ساعة خلال النصف الأول من 2026، بزيادة سنوية قدرها %71، مقارنة بنحو 269.7 غيغاواط/ساعة خلال الفترة نفسها من 2025.

واستحوذت تطبيقات التخزين المرتبطة بشبكات الكهرباء على نحو %75.2 من الشحنات العالمية، بينما سجلت أنظمة التخزين المنزلية نمواً بنسبة %128، ما يؤكد أن توسع السوق يرتبط أيضاً بالطاقة المتجددة والشبكات الكهربائية، وليس بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وحدها، وفقاً لتقرير "إس إن إي ريسيرش" الصادر في أغسطس (آب) 2026.

وتظل السيارات الكهربائية أحد المحركات الرئيسية للطلب العالمي على البطاريات، لكن النمو المتسارع في التخزين الكهربائي يمنح المصنعين مجالاً إضافياً لتنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد على دورة الطلب في قطاع السيارات، وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية ومؤسسة "إس إن إي ريسيرش".

وبين هيمنة الشركات الصينية ومحاولات المنافسين الكوريين تعزيز الإنتاج المحلي في أمريكا الشمالية، تتجه صناعة البطاريات إلى مرحلة جديدة تحددها تكاليف التصنيع والقدرة على تأمين الإمدادات والامتثال للقواعد التجارية، في وقت يضيف فيه الذكاء الاصطناعي مصدراً متنامياً للطلب دون أن يكون المحرك الوحيد لسوق التخزين، وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية و"إس إن إي ريسيرش".