لامس سعر الغاز الأوروبي مستوى 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة، للمرة الأولى منذ أزمة الطاقة في 2022، وسط اضطرابات شحنات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، التي أسهمت في شح الإمدادات مع اقتراب فصل الشتاء، وزادت الضغوط على المستهلكين والقطاع الصناعي بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة.

د. ممدوح سلامة: أوروبا ارتكبت "خطأً استراتيجياً" بحظرها التدريجي لواردات الغاز الطبيعي الروسي المُسال، وباتت مُضطرة لشراء الغاز الأمريكي بأسعار تزيد مرتين إلى أربع مرات عن سعر الروسي.
أنفقت حكومات أوروبا 17.9 مليار يورو في 2026، لمحاولة تخفيف آثار ارتفاع أسعار النفط والغاز على الأسر والشركات، بما يُعادل نحو 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.

وأدت الحرب الأمريكية على إيران إلى ارتفاع أسعار النفط ووقود النقل والغاز والكهرباء والغذاء، وسط توقعات باستمرار ارتفاع أسعار الغاز لمدة عام آخر، حتى في حال انتهاء الحرب واعتدال الطقس خلال الشتاء، إذ ستحتاج أوروبا إلى إعادة ملء مخزوناتها التي تراجعت إلى مستويات منخفضة.

وتُظهر بيانات بورصة إنتركونتيننتال، ارتفاع العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأوروبي القياسي، تسليم نوفمبر (تشرين الثاني)، إلى 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة.

وتنعكس أسعار الغاز المرتفعة على فواتير الغاز والكهرباء للمستهلكين والقطاعات الصناعية، إذ ارتفع سعر عقد الكهرباء الأساسي الألماني للسنة المقبلة بنسبة 1.7% إلى 159.30 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2023، فيما بلغ سعر العقد الفرنسي المماثل 122.50 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى له منذ نحو عامين.

خطأ أوروبا الاستراتيجي

يعزو الدكتور ممدوح سلامة، خبير النفط العالمي وأستاذ اقتصاديات الطاقة في كلية "ESCP" لإدارة الأعمال بلندن، الارتفاع الكبير في الأسعار ونقص الإمدادات إلى اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ يُعد ممراً لنحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وتأتي معظم هذه الشحنات من قطر.

د. ممدوح سلامة، خبير الطاقة العالمي 

يقول سلامة لـ "24"، إن الأسواق لا تواجه نقصاً في إمدادات الغاز القطري فحسب، بل تواجه أيضاً صعوبة في تعويض هذه الكميات، حتى مع لجوء الدول إلى احتياطاتها. ويأتي ذلك بالتزامن مع اشتداد المنافسة على شحنات الغاز بين مستهلكي آسيا، بقيادة الصين، والاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن الاتحاد الأوروبي بات مستعداً لدفع أي سعر للحصول على إمدادات إضافية، في ظل تراجع مخزوناته. وأشار إلى أن مستويات التخزين انخفضت من نحو 90% قبل الحرب إلى ما بين 50% و60% حالياً، ما قد يزيد معاناة أوروبا إذا واجهت شتاءً شديد البرودة.

ويواجه الاتحاد الأوروبي مشكلة أخرى تتمثل في حظره التدريجي لواردات الغاز الروسي، الذي كان يصل بأسعار أقل عبر خطوط الأنابيب. ووصف سلامة هذه الخطوة بأنها "خطأ استراتيجي كبير"، معتبراً أن أوروبا أصبحت مضطرة إلى شراء الغاز الطبيعي المسال الأمريكي بأسعار تزيد مرتين إلى أربع مرات على سعر الغاز الروسي.

في هذا السياق، تشير وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون بين منظمي الطاقة "ACER"،  إلى أن الغاز الطبيعي المسال الأمريكي يشكل نحو 30% من إجمالي إمدادات الغاز في الاتحاد الأوروبي، مقابل نحو 11% لإجمالي إمدادات الغاز الروسي، بما يشمل الغاز المسال والمنقول عبر الأنابيب.

وتراجعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي خلال صيف 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، إذ انخفضت واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بنسبة 2%، والغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب بنسبة 3%.

وفي الفترة نفسها، تراجعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال من جميع المصادر بنسبة 14%، فيما لم تصل إلى أسواقه كميات كبيرة من الغاز المسال القطري.

تعبئة بطيئة

ورغم ارتفاع مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي إلى نحو 75% من طاقتها التخزينية في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بعدما بلغت 28% فقط نهاية الشتاء الماضي، فإنها لا تزال دون المستوى المستهدف عادةً قبل دخول فصل الشتاء، والبالغ قرابة 90%.

أسعار المحاصيل والطاقة تضغط على التضخم.. معضلة جديدة للبنوك المركزية - موقع 24سجلت أسعار المنتجات الزراعية العالمية أكبر قفزة ربع سنوية لها منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، حيث تهدد التوترات في منطقة البحر الأسود الرئيسية والأحوال الجوية المتطرفة بمزيد من المخاوف التضخمية للبنوك المركزية.

ويتزامن ذلك مع ارتفاع تكلفة إعادة ملء خزانات الغاز، إذ قُدّرت بنحو 27 مليار يورو في 2026. ورغم أن هذا المبلغ يقل كثيراً عن نحو 100 مليار يورو أُنفقت لملء المخزونات خلال أزمة الطاقة عام 2022، فإن متوسط سعر الغاز الذي جرى تخزينه سجل ثاني أعلى مستوى له خلال العقد الماضي.

فاتورة الغاز تصل إلى الأسر

ويرى ممدوح سلامة أن فرنسا وألمانيا ستكونان من بين أكثر الدول الأوروبية تأثراً بارتفاع أسعار الغاز ونقص الإمدادات، مشيراً إلى أن ألمانيا، باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الأوروبي، تواجه ضغوطاً إضافية في ظل تراجع إمدادات الغاز النرويجي أيضاً.

وتنعكس الأزمة على اقتصادات الدول الأوروبية والمستهلكين، في وقت يعاني فيه النمو الاقتصادي الأوروبي من الضعف. وأشار سلامة إلى أن الاقتصاد الألماني سجل نمواً بنسبة 0.2% فقط خلال الربع الثالث من 2026. 

من جانبها، قالت المفوضية الأوروبية إن حكومات 25 دولة في الاتحاد أنفقت 17.9 مليار يورو خلال 2026، لتخفيف أثر ارتفاع أسعار النفط والغاز على الأسر والشركات، بما يعادل نحو 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي.

ومن المتوقع أن يظهر التأثير الأكبر لارتفاع أسعار الغاز على فواتير المستهلكين خلال 2027، بسبب تأخر انتقال تغيرات أسعار الجملة إلى أسعار التجزئة، واختلاف مواعيد تجديد العقود. وفي بريطانيا، من المقرر أن ترتفع فواتير الطاقة مجدداً في يناير (كانون الثاني) المقبل، فيما زادت تعريفات الغاز للعملاء الجدد في ألمانيا بنسبة 55% منذ بداية هذا العام.