تحول عمالقة "وادي السيليكون" إلى زبائن دائمين في أروقة معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للطاقة "أديبك"، بحثاً عن صفقات غاز وطاقة نووية طويلة الأجل، لتأمين بقاء خوادمهم ومراكز بياناتهم على قيد الحياة.
لم يعد قادة التكنولوجيا يحضرون كمنظرين رقميين، بل كمفاوضين تجاريين، بعد أن كشفت تقارير "وكالة الطاقة الدولية" في المؤتمر أن استهلاك مراكز البيانات عالمياً للكهرباء سيقفز من 485 تيراواط ساعة بحلول عام 2025 ليصل إلى نحو 950 تيراواط ساعة بحلول عام 2030.
ويتطلب التنامي المتسارع في الأحمال الرقمية تدفقاً مستمراً ومستقراً للتيار الكهربائي بنسبة 100% على مدار الساعة، لتشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما يدفع الشركات التكنولوجية الكبرى للتوجه مباشرة نحو محطات الطاقة وشبكات الغاز في دولة الإمارات لتأمين احتياجاتها الأساسية.
خبراء بـ"أديبك 2026": تنويع مسارات الطاقة والشراكات يعززان أمن الإمدادات - موقع 24أكد مسؤولون وخبراء في قطاع الطاقة، خلال فعاليات معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول "أديبك 2026"، الإثنين، أهمية تنويع مصادر الطاقة ومسارات نقلها، وتعزيز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة، وتطوير سلاسل التوريد، لضمان استمرار تدفق النفط والغاز والمنتجات المرتبطة بهما إلى الأسواق، في ظل ...
شاشات الذكاء الاصطناعي
ناقش الخبراء في "أديبك" الآفاق الاستثمارية الواعدة الناتجة عن الارتفاع المتوقع في حجم استهلاك مراكز البيانات بحلول عام 2030، والذي يمثل ما يقارب 3% من إجمالي الطلب العالمي على الكهرباء. وهي كميات طاقة ضخمة تعادل الاستهلاك الكلي لدول صناعية كبرى، مما يفتح الباب أمام شراكات استراتيجية بين قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والكهرباء والطاقة.
وسلط استطلاع رأي شامل، جرى الإعلان عنه ضمن فعاليات المعرض بعنوان "تقرير أديبك العالمي للطاقة: تحول موازين القوى"، الضوء على هذا التحول الهائل نحو ضخ استثمارات جديدة في البنية التحتية المتطورة.
وأظهرت نتائج الاستطلاع تفاؤلاً كبيراً وثقة بآفاق النمو؛ حيث يرى 74% من القيادات التنفيذية لقطاع الطاقة أن التوسع المتسارع في الذكاء الاصطناعي يمثل محركاً رئيسياً لقفزة نوعية وغير مسبوقة في أسواق واستثمارات الطاقة بحلول عام 2030.
وفي سياق متصل، أعربت غالبية بلغت 52% من المسؤولين عن ثقتهم الكاملة في جاهزية وقدرة شبكات البنية التحتية على التكيف السريع وتلبية هذا الطلب المتنامي على الكهرباء عبر دمج الحلول الذكية، في حين يتوقع 80% من العاملين في القطاع أن طفرة الذكاء الاصطناعي ستحقق تدفقات وطلباً استثمارياً مباشراً يفوق كافة التوقعات النظرية والأكاديمية القائمة حالياً، مما يؤسس لعصر ذهبي جديد للاستثمار في الطاقة المستدامة.
وببساطة، فإن هذه النتائج تعني أن طاقة الرياح ومصادر الطاقة المتجددة المتقطعة غير كافية بمفردها لتشغيل مراكز بيانات فائقة الحوسبة تتطلب تدفقاً مستمراً للتيار بنسبة 100% ودون انقطاع لثانية واحدة.
ومن هنا، فقد هرع عمالقة وادي السيليكون إلى أبوظبي لتأمين الغاز الطبيعي كمصدر طاقة أساسي وحاسم لعمليات التبريد والتشغيل.
"سام ألتمان" يطلب ود "أدنوك"
تجسد المشهد التاريخي بوضوح في المؤتمر؛ حيث كانت الأنظار تتجه نحو جلسة رئيسية ضمت سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "OpenAI" المطورة لبرنامج "ChatGPT" الشهير.
ألتمان، الذي يقود واجهة الثورة الرقمية في العالم، لم يتردد في الإعلان صراحة من فوق منصة "أديبك" أن توافر الطاقة سيعيد رسم خارطة التكلفة الفعلية للذكاء الاصطناعي ويحدد مدى انتشاره بين البشر، معترفاً بأن الطاقة هي التحدي الأبرز والأضخم الذي يهدد استمرارية قطاع التكنولوجيا المتقدمة.
سام ألتمان: الذكاء الاصطناعي يقود تحولاً اقتصادياً في قطاع الطاقة - موقع 24أكد سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" (OpenAI)، أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً واسعة أمام قطاع الطاقة، من خلال رفع الكفاءة والإنتاجية وتطوير حلول للتحديات التي تواجه الصناعة منذ سنوات.
ولم يكن حضور ألتمان مجرد مشاركة شرفية، بل تُوّج بتوقيع اتفاقية استراتيجية متعددة السنوات وُصفت بالأضخم في المعرض، بين شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك"، وشركة الذكاء الاصطناعي الإماراتية العملاقة "G42"، وشركة "OpenAI".
وبموجب هذه الشراكة الكبرى، أصبحت "أدنوك" أول شركة طاقة في العالم تدمج منصة "OpenAI Frontier" للذكاء الاصطناعي المتقدم مباشرة في عملياتها التشغيلية وتطوير حقولها.
ويوضح التحالف الذكي بين الجانبين كيف غيرت أبوظبي قواعد اللعبة الاستراتيجية؛ فلم تعد مجرد دولة تبيع براميل النفط الخام أو الغاز الطبيعي المسال لتوليد الأرباح التقليدية، بل باتت تستخدم ثرواتها من الطاقة كرافعة سيادية لبناء شراكات تكنولوجية حصرية.
ووفقاً للبيانات التفصيلية الصادرة عن "شركة أدنوك"، ستقوم المنظومة الجديدة بربط وكلاء الذكاء الاصطناعي المساعد لتسريع تخطيط وتطوير حقول الطاقة بالكامل؛ بحيث تنجز المهام المعقدة التي كانت تستغرق أشهراً طويلة من المهندسين والبشر في غضون ساعات معدودة فقط، وبأعلى كفاءة تشغيلية واقتصادية.
النفط كوقود للبنية الرقمية
كان من اللافت في الاتفاقيات الموقعة في "أديبك" إصرار الجانب الإماراتي على مفهوم "البنية التحتية السيادية للحوسبة".
وتشير الأرقام والبيانات المستقاة من المؤتمر إلى أن الحلول المشتركة التي سيتم تطويرها بين "أدنوك" و"OpenAI" لن يتم تشغيلها في خوادم سحابية خارج الحدود، بل سيتم تشغيلها ومعالجتها بالكامل عبر البنية التحتية وشبكات مراكز البيانات التابعة لشركة "G42" داخل دولة الإمارات.
وتضمن هذه الخطوة أمن البيانات الوطنية الحيوية، وتضع الإمارات في مرتبة الند للند مع كبريات دول التكنولوجيا. فالإمارات، بامتلاكها تدفقات مالية ضخمة، وبنية غاز مرنة، ومحطات طاقة نووية سلمية متطورة توفر حملاً كهربائياً ثابتاً، باتت توفر الملاذ الآمن لشركات الرقائق التي تبحث عن موطئ قدم مستقر لبناء مراكز بياناتها المستقبلية بعيداً عن أزمات الطاقة والقيود التنظيمية الصارمة في أوروبا والولايات المتحدة.
"أديبك 2026".. أمن الطاقة يعيد تشكيل أولويات الاستثمار في البنية التحتية - موقع 24أجمع خبراء ومسؤولون في قطاع الطاقة، خلال جلسات اليوم الأول من معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول "أديبك 2026"، على أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً بتوافر الموارد وحدها، بل بقدرة البنية التحتية على استيعاب الاضطرابات الجيوسياسية وضمان استمرار الإمدادات، مؤكدين أن مرونة الأنظمة واستقرار الأطر ...
وقد أكد الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ"أدنوك"، أن هذه الشراكات المتقدمة تمثل خطوة نوعية لربط قدرات الذكاء الاصطناعي عبر كامل سلسلة القيمة لأعمال الشركة، بدءاً من الحقول والآبار وصولاً إلى المبيعات والأسواق العالمية، مما يساهم بشكل مباشر في تعزيز القيمة المحققة وأمن الطاقة العالمي في آن واحد.
الاستفادة العكسية
في مقابل حصول شركات التكنولوجيا على الطاقة، كشفت جلسات "أديبك" عن "المنافع العكسية" التي سيقدمها الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة الشبكات وتخفيف وطأة استهلاكها للطاقة.
وتشير تقديرات رسمية لوكالة الطاقة الدولية عُرضت خلال المؤتمر إلى أن التبني الواسع والذكي لتطبيقات وكلاء الذكاء الاصطناعي في إدارة ومحاكاة محطات التوليد وخطوط النقل يمتلك القدرة على إتاحة طاقة نقل إضافية تصل إلى 175 غيغاواط عبر الخطوط والشبكات الحالية القائمة في العالم، دون الحاجة إلى مد كابلات جديدة.
علاوة على ذلك، يمكن لهذه الخوارزميات الذكية أن تحقق وفورات مالية سنوية ضخمة ومحتملة تقدر بنحو 110 مليارات دولار أمريكي في قطاع توليد الكهرباء العالمي بحلول عام 2035، بفضل قدرتها الفائقة على التنبؤ بالأعطال، وإدارة الأحمال الفجائية، وتحسين عمليات الصيانة الدورية للمنشآت النفطية والصناعية.
تحالفات استراتيجية مستدامة
يتضح، في ضوء الحقائق السابقة، أن التكامل النموذجي بين ابتكارات التكنولوجيا المتقدمة وموارد الطاقة المستدامة يؤسس لحقبة جديدة من النمو المشترك؛ حيث تلتقي تصاميم أشباه الموصلات والرقائق الذكية مع القدرات الإنتاجية الموثوقة لعواصم الطاقة لتأمين التدفقات المستمرة من الغاز والكهرباء اللازمة لتشغيل المستقبل الرقمي.
وتؤكد الشراكات الاستثمارية المعلنة في أبوظبي أن أروقة "أديبك" باتت تمثل المنصة العالمية المثالية لتمكين البنية الحوسبية العالمية، وصياغة تحالفات استراتيجية مستدامة تضمن استقرار ونمو الاقتصاد الرقمي الفعلي وتحقيق الازدهار المشترك بين قطاعي التكنولوجيا والطاقة.