عملة بتكوين المشفرة (تعبيرية)
الجمعة 28 أغسطس 2026 / 19:30
تبخرت أكثر من 80 مليار دولار من القيمة السوقية للشركات التي تبنّت استراتيجية الاحتفاظ بعملة بيتكوين ضمن خزائنها منذ منتصف 2025، بعدما أخفقت موجة شراء العملات المشفرة، التي دفعت هذه الشركات إلى تغيير نماذج أعمالها، في دعم أسعار أسهمها.
وأظهر تحليل أجرته صحيفة "فايننشال تايمز" لأكبر 50 شركة من حيث حيازات بيتكوين، أن قيمتها السوقية المجمعة هوت من 150 مليار دولار في يوليو (تموز) 2025 إلى 67 مليار دولار فقط حالياً. وخلال الأشهر الـ12 الماضية وحدها، انخفضت القيمة من 124 مليار دولار، بخسارة بلغت 57 مليار دولار.
وكانت سلسلة مقاهٍ إسبانية، ومتجر تجزئة ياباني للملابس، وشركة أمريكية لصناعة البطاريات، من بين مئات الشركات حول العالم التي سارعت إلى جمع التمويل عبر الديون وإصدارات الأسهم، أواخر 2024 وعلى امتداد 2025، بهدف شراء بيتكوين، في محاولة لتعزيز أسعار أسهمها بقوة.
النهج والترويج
واستلهمت تلك الشركات نهجها من مايكل سايلور، أحد أبرز المروجين لبيتكوين في الولايات المتحدة، الذي قاد شركته "ستراتيجي"، التي تحولت من شركة برمجيات إلى مشترٍ ضخم للعملة المشفرة، نحو اقتناء بيتكوين منذ عام 2020. وكثفت الشركة مشترياتها العام الماضي، فيما شجع سايلور مسؤولين تنفيذيين في شركات أخرى على اتباع النهج نفسه.
وقال آدم مورغان مكارثي، رئيس الأبحاث في شركة تداول العملات المشفرة "L.O": "كان محكوماً عليه بالفشل منذ البداية"، مضيفاً أن موجة الاندفاع "انتهت، ولا أعتقد أنها ستعود، ولا أظن أننا سنرى شركات جديدة تتبنى هذا النهج".
ورغم أن أسهم الشركات قفزت في البداية عقب إعلان خططها لشراء بيتكوين، فإن معظمها تراجع منذ ذلك الحين مع انسحاب المستثمرين وتشكيكهم في نموذج يعتمد على جمع ديون أو رؤوس أموال جديدة بصورة مستمرة لتمويل مشتريات العملات المشفرة، ويظل في الوقت نفسه رهينة لصعود بيتكوين أو هبوطها.
وشهدت أسعار الأسهم وبيتكوين انتعاشاً خلال الأسبوع الماضي، عقب التدخل المفاجئ لوزارة الخزانة الأمريكية في أسواق السندات، وهو ما هز ثقة المستثمرين بالدولار ودفعهم إلى ما يُعرف بـ"تجارة التحوط من تآكل قيمة العملة"، عبر التوجه إلى أصول مثل بيتكوين والذهب.

الجزء الأكبر من التراجع
وعلى الرغم من ذلك، لا تزال قيمة شركات خزائن العملات المشفرة عند جزء بسيط من مستوياتها السابقة. وانخفضت القيمة السوقية لشركة "ستراتيجي" بنحو 79 مليار دولار مقارنة بذروتها المسجلة العام الماضي، لتستحوذ بذلك على الجزء الأكبر من التراجع الذي شهدته أكبر 50 شركة.
ويجري تداول أسهم 43 شركة من أصل أكبر 50 شركة حالياً عند مستويات أدنى من أسعارها قبل إعلان التحول إلى استراتيجية خزائن بيتكوين، فيما فقدت أسهم 35 شركة منها نصف قيمتها على الأقل.
واقتصر تحليل "فايننشال تايمز" على الشركات التي تحولت حديثاً إلى شراء بيتكوين، ولم يشمل منصات تداول العملات المشفرة أو شركات التعدين أو الشركات الأخرى التي تحتفظ ببيتكوين في ميزانياتها ضمن سياق عملياتها المعتادة.
وقال مكارثي: "في معظم الحالات، كانت الفكرة سيئة من الأساس، كما أن الدوافع لم تكن سليمة؛ إذ اتجهت الشركات إلى ممارسة نشاط لا علاقة له بأعمالها لمجرد محاولة رفع سعر السهم".
وقال إريك بنوا، المتخصص في أبحاث التكنولوجيا والبيانات لدى "ناتيكسيس.سي.آي.بي"، في معرض حديثه عن مئات الشركات الأصغر التي حاولت تقليد النموذج: "كانوا يركبون الموجة ويستفيدون من الزخم، ويحاولون استنساخ النموذج، لكن العودة إلى السوق لجمع التمويل بوتيرة شبه أسبوعية ليست بالأمر السهل".
وعانت بيتكوين من موجة هبوط ممتدة على مدار الأشهر الـ12 الماضية، إذ تراجعت 30% ليجري تداولها عند نحو 78 ألف دولار. إلا أن شركات خزائن بيتكوين تكبدت خسائر أكبر، بعدما لجأ العديد منها إلى الاقتراض لتمويل رهاناتها على شراء العملة المشفرة، ما جعل تراجعها أكثر حدة مع هبوط السوق.
من صافي الشراء إلى البيع
وتحولت أكبر 50 شركة حائزة لبيتكوين من صافي الشراء إلى صافي البيع في يوليو (تموز) من العام الجاري، بقيادة "ستراتيجي". وباعت هذه الشركات مجتمعة خلال الشهر 2500 وحدة بيتكوين أكثر مما اشترته، بقيمة تقارب 160 مليون دولار، وفق بيانات موقع "BitcoinTreasuries.net".
وكان سايلور تعهد لسنوات بعدم بيع بيتكوين مطلقاً، لكنه غيّر نهجه هذا الصيف عندما بدأت «ستراتيجي» تصفية جزء من حيازاتها. وباعت الشركة نحو 7 آلاف وحدة بيتكوين بقيمة إجمالية بلغت 430 مليون دولار، بين نهاية يونيو (حزيران) ومنتصف أغسطس (آب)، بسبب حاجتها إلى السيولة لسداد مستحقات حاملي أدواتها المالية المدرة للفائدة.
ورداً على الانتقادات الحادة التي تعرض لها، قال سايلور إن شعاره "لن أبيع أبداً" كان يشير إلى حيازاته الشخصية وليس إلى أصول الشركة. وكتب عبر منصة "إكس": "ستراتيجي شركة مساهمة عامة، وليست محفظتي الشخصية".
وكانت شركات رأس المال الجريء المتخصصة في العملات المشفرة، ومنها "UTXO Management" و "Pantera Capital"، قد ضخت مئات الملايين من الدولارات في عدد كبير من شركات خزائن العملات المشفرة خلال العام الماضي، فيما تولت بنوك استثمار، من بينها "كانتور فيتزغيرالد"، ترتيب عدد من الصفقات.
كما هبطت أسهم العديد من الشركات الأصغر حجماً التي تحتفظ ببيتكوين، ومن بينها شركة التسويق اليابانية "Value Creation Co".
ولم يكن أداء الشركات التي اشترت عملات مشفرة أخرى أفضل حالاً. فقد هبط سهم "Bitmine Immersion Technologies"، أكبر شركة حائزة لعملة إيثر في العالم، بنسبة 85% مقارنة بذروته المسجلة في يوليو (تموز) 2025.
وفي الشهر الجاري، تخلت شركة أمريكية لمنتجات التنظيف عن حيازاتها من عملة "دوجكوين"، لتتحول بدلاً من ذلك إلى التركيز على الذكاء الاصطناعي، فيما ألغت المجموعة الإعلامية التابعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطتها لشراء عملات رقمية مرتبطة بمنصة "Crypto.com".
ورغم مبيعاتها خلال العام الجاري، لا تزال حيازات "ستراتيجي" من بيتكوين الأكبر بفارق شاسع بين جميع الشركات في العالم. وعلى الرغم من تراجع معنويات المستثمرين تجاه هذا النموذج، لا يزال سايلور متمسكاً باستراتيجيته، وقال أخيراً إنه "يتوقع أن تظل "ستراتيجي" مشترياً صافياً لبيتكوين على المدى الطويل".