مدينة جوهانسبرغ.. القلب الاقتصادي لجنوب أفريقيا (رويترز)
الخميس 21 مايو 2026 / 15:44
تعيش مدينة جوهانسبرغ، القلب الاقتصادي لجنوب أفريقيا، وأغنى مدن القارة الأفريقية، مرحلة توصف بأنها الأخطر في تاريخها الحديث، بعدما تحولت المدينة، التي لطالما عُرفت بأنها "مدينة الذهب"، إلى نموذج لأزمة حضرية متفاقمة، تتشابك فيها مشكلات الإدارة والسياسة والديون وتدهور الخدمات العامة.
ففي المدينة التي تضم أكبر تجمع للأثرياء في أفريقيا، وتستضيف مقار كبرى الشركات والبورصة الرئيسية في البلاد، تتكرر انقطاعات الكهرباء والمياه، وتتآكل الطرق بالحفر، بينما تنتشر المباني المهجورة وتتعاظم الضغوط المالية، وسط تحذيرات من أن العاصمة الاقتصادية للبلاد تقترب من نقطة انهيار، قد تكون لها تداعيات على الاقتصاد الوطني بأكمله.
قصة التدهور
وأشارت وكالة "بلومبرغ" الإخبارية، إلى أنه داخل "معرض جوهانسبرغ للفنون"، أحد أبرز المعالم الثقافية في المدينة، تبدو صورة التراجع واضحة؛ إذ تتساقط طبقات الطلاء من الأسقف المتضررة بسبب الأمطار، وتعطلت المصاعد، فيما تفككت الأرضيات الخشبية وتشقق جزء منها بعد سنوات طويلة من الإهمال.
والمعرض، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 111 عاماً، كان يحتضن مجموعة تضم أكثر من 9 آلاف عمل فني، بينها لوحات أصلية لفنانين عالميين مثل كلود مونيه وبابلو بيكاسو، لكن سوء الأوضاع دفع السلطات إلى نقل معظم المقتنيات إلى مواقع أخرى داخل المدينة، بعضها مملوك لجهات خاصة.
ويعتبر كثيرون أن حال هذا المبنى التاريخي، ليس سوى انعكاس مصغر لحالة مدينة كاملة تواجه تراجعاً متسارعاً.

مدينة غنية.. وخدمات متداعية
ورغم أن جوهانسبرغ تُعد المحرك الاقتصادي الرئيسي لجنوب أفريقيا، إلا أن سكانها يواجهون أزمات خدمية متزايدة.
فانقطاعات المياه والكهرباء أصبحت أمراً متكرراً، والشوارع الرئيسية مليئة بالحفر، بينما تحولت بعض الأبراج المهجورة وسط المدينة إلى مناطق نفوذ لعصابات مسلحة، تفرض الإيجارات على واضعي اليد أو السكان غير النظاميين.
كما توقفت العديد من مشاريع البنية التحتية، وتعثر تحصيل مليارات الدولارات من الديون البلدية، في وقت اتُّهمت فيه السلطات المحلية باستخدام قروض طويلة الأجل لتغطية نفقات تشغيلية متكررة بدلاً من الاستثمار في التنمية.

ضغوط مالية وتحذيرات حكومية
وبلغت الأزمة ذروتها، عندما وجّه وزير مالية جنوب أفريقيا إينوك غودونغوانا، تحذيراً مباشراً لرئيس بلدية جوهانسبرغ دادا موريرو، مهدداً بحرمان المدينة من تمويل حكومي أساسي ما لم تتخذ خطوات لخفض إنفاق، اعتبره "هدراً مالياً" يناهز 1.4 مليار دولار.
كما طالب بإلغاء خطط لرفع أجور الموظفين البلديين بمئات ملايين الدولارات خلال العامين المقبلين، في وقت تواجه فيه المدينة أزمة سيولة متفاقمة.
ويخشى مراقبون من أن تنفيذ هذه التهديدات، قد يجعل المدينة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين، خاصة في ظل متأخرات مالية ضخمة متراكمة.

جذور الأزمة
ويرى محللون لبلومبرغ، أن جذور الأزمة الحالية سياسية بالدرجة الأولى. فمنذ فقدان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي أغلبيته في انتخابات 2016، دخلت المدينة في دوامة حكومات ائتلافية هشة وصراعات حزبية متكررة.
وخلال أقل من عقد، تعاقب على إدارة المدينة 10 رؤساء بلديات، ما أدى إلى غياب الاستمرارية في السياسات، وتعطل المشاريع، وتفاقم مزاعم الفساد والهدر المالي.
كما يضم المجلس البلدي حالياً 18 حزباً سياسياً، في مشهد سياسي مجزأ جعل اتخاذ القرار أكثر صعوبة، وأدى إلى تغييرات مستمرة في التحالفات والإدارات، بحسب مراقبين.

مستقبل غامض
وتتزامن الأزمة مع اقتراب الانتخابات المحلية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وسط استطلاعات تشير إلى أن أياً من الأحزاب لن يتمكن من حصد أغلبية واضحة، ما يرجح استمرار الحكومات الائتلافية الهشة.
وفي المقابل، تؤكد سلطات المدينة أنها ليست مفلسة وتعمل على استقرار أوضاعها المالية، بينما يرى خبراء أن جوهانسبرغ تقف حالياً عند نقطة تحول حاسمة؛ فإما أن تنجح في استعادة الاستقرار الإداري والخدمي، أو تدخل مرحلة أعمق من التدهور قد تؤثر على الاقتصاد الجنوب أفريقي بأكمله.