صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
الخميس 25 يونيو 2026 / 16:28
أين تقع الإمارات في سباق المستقبل؟

من مستورد إلى مصدر.. الإمارات تتحوّل إلى "مصنع الذكاء الاصطناعي"

بينما يحذر تقرير "مستقبل المهنيين 2026" الصادر عن شركة "تومسون رويترز" من أن التأخر في توظيف الذكاء الاصطناعي يضع إيرادات بـ143 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها على المحك، ويهدد المؤسسات بفقدان 24% من كفاءاتها خلال عامين، تظهر الإمارات في الطرف الآخر من المعادلة برؤية استباقية انطلقت قبل سنوات، أدركت مبكراً أن سباق المستقبل لن يُحسم بمن يستخدم التكنولوجيا، بل بمن يُطورها ويُصدرها.

هذه الرؤية حاضرة في شركات وطنية تخترق أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، ونماذج مفتوحة المصدر تنافس عمالقة الصناعة، وفق إعلانات رسمية صادرة عن جهات حكومية إماراتية وشركات تكنولوجية مقرها الدولة، ضمن مستهدفات رؤية "نحن الإمارات 2031" التي تضع الملكية الفكرية والبرمجيات المطوّرة محلياً في صدارة الصادرات غير النفطية الأعلى ربحية.

خبير: الإمارات تتقدم من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى صناعته - موقع 24في وقت تتسابق فيه الدول لامتلاك أدوات المستقبل، نجحت دولة الإمارات في تثبيت حضورها ضمن نخبة الدول الأكثر تبنياً لتقنيات الذكاء ذراع تصديرية جديدة

في خطوة تربط الحقيبة التجارية الإماراتية مباشرةً بالقطاع التكنولوجي، أعلنت "AIREV" في 23 يونيو (حزيران) 2026 تولّي الدكتور ثاني الزيودي، وزير التجارة الخارجية، رئاسة مجلس إدارتها، وفق بيان صحافي حصل 24 على نسخة منه.

الشركة، التي تأسس حضورها في الدولة في فبراير (شباط) 2024 بدعم من "Core42" التابعة لـ"جي 42"، تحولت خلال أقل من عامين ونصف إلى منصة تشغيل إماراتية تُقدر ب 200 مليون دولار، وتُصدر خدماتها إلى أكثر من 4 ملايين مستخدم عبر منصتها "OnDemand" التي توفر أكثر من 300 وكيل وأداة بأكثر من 50 لغة، وفق البيان ذاته.

وحسب البيان، تخطت منتجاتها حاجز تريليون رمز (Tokens) خلال 2025، قبل أن تقفز إلى 6.8 تريليون رمز في الربع الثاني من 2026 وحده، أي ستة أضعاف المستوى السابق. وعلى صعيد الانتشار، سجلت الشركة منصتها في سوق أمريكا الشمالية وأنشأت شبكة توزيع تمتد من أبوظبي إلى الشركات التكنولوجية الأمريكية.

استثمارات تتخطى 147 مليار دولار

كشف عمر بن سلطان العلماء، وزير الدولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، خلال مؤتمر الإمارات الصحفي الدولي (نوفمبر 2025)، أن استثمارات الدولة تخطت 147.86 مليار دولار منذ مطلع 2024، منها 27 مليار دولار لمشروع "ستارجيت الإمارات"، و49 مليار دولار ضُخّت في الخارج، فيما أعلنت "مايكروسوفت" استثمارات بـ17 مليار دولار بين 2023 و2027، إلى جانب 5 مليارات دولار من شركة "KKR"، بحسب وكالة أنباء الإمارات "وام".

وعلى صعيد الكوادر، قفز عدد المبرمجين في الدولة إلى أكثر من 450 ألف مبرمج، بنمو 376.9% مقارنة بعام 2020، متخطياً المستهدف البالغ 300 ألف، وفق المؤتمر ذاته.

حفارات ذكية و"ENERGYai".. كيف تُعيد "أدنوك" تعريف صناعة الطاقة؟ - موقع 24صناعة الطاقة في الإمارات تكتسب وتيرة تكنولوجية متسارعة، يدفعها توظيف مكثف للذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات على امتداد سلسلة القيمة النفطية والغازية، من الاستكشاف وحتى التوزيع.

من سوق استهلاك إلى صرح إنتاج

عائشة خلفان الرميثي، رئيسة قطاع البحوث في مركز "تريندز" للبحوث والاستشارات، توضح لـ24 أن استثمار 147.86 مليار دولار يُترجَم في بُنى حوسبية ومراكز بيانات تُمثل قدرات سيادية، ويمكنه رفع اقتصاد الدولة بنحو 0.7% إضافية سنوياً، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

وتُضيف الرميثي أن "الإمارات أصبحت ثاني أكبر بيئة استثمار عالمية في البنى الرقمية الخضراء بنحو 70.6 مليار دولار، فيما جمعت الشركات الناشئة الإماراتية في الذكاء الاصطناعي أكثر من 125 مليون دولار في النصف الأول من 2025 وحده، بنمو سنوي يتخطى 60%."

وفي ما يخص هيكل الصادرات، تُبيّن الرميثي أن منتجات الذكاء الاصطناعي تنتمي إلى الاقتصاد المعرفي بمنطق "تُطور مرة واحدة وتُرخص بعدها مرات عدة"، خلافاً للصادرات التقليدية المحكومة بمنطق الكمّ وتكاليف الشحن. وترتفع حصة الصادرات من إجمالي التجارة غير النفطية إلى 21.6% بنهاية 2025، مقابل 14% في 2019، ضمن رؤية تستهدف رفع إسهام الاقتصاد الرقمي إلى 20% من الناتج الوطني بحلول 2031، وفق المتحدثة.

"ستارجيت الإمارات"

أُطلق مشروع "ستارجيت الإمارات" في مايو (أيار) 2025، بحضور الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، عبر تحالف يضم "جي 42" و"أوبن إيه آي" و"أوراكل" و"إنفيديا" و"سوفت بنك" و"سيسكو"، وفق بيان مشترك صادر عن الشركات المنفذة.

المشروع تجمع حوسبي بسعة 1 جيجاوات ضمن مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي- الأمريكي في أبوظبي بسعة تصل إلى 5 جيجاوات، تتولى "جي 42" بناءه، و"أوبن إيه آي" و"أوراكل" تشغيله، فيما تُزوده "إنفيديا" بأنظمة "غريس بلاكوويل جي بي 300"، على أن تنطلق المرحلة الأولى بقدرة 200 ميغاواط عام 2026، وفق البيان ذاته.

طحنون بن زايد: "K2 Think" يعزز إسهام الإمارات عالمياً بالذكاء الاصطناعي - موقع 24رأى الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم إمارة أبوظبي مستشار الأمن الوطني، أن الإطلاق المرتقب لنموذج "K2 Think" يمثل خطوة بارزة في تعزيز إسهام دولة الإمارات في مسيرة الذكاء الاصطناعي عالمياً، وبما يعكس رؤية قيادتنا نحو التقدم التكنولوجي.

نماذج تنافس عمالقة الصناعة

في سبتمبر (أيلول) 2025، أُعلن عن نموذج "كي 2 ثينك" (K2 Think) الذي وصفه بيان وكالة الأنباء الإماراتية، بأنه "أكثر نماذج الاستدلال مفتوحة المصدر تطوراً على مستوى العالم". وأطلقه "معهد النماذج التأسيسية" في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بالشراكة مع "جي 42" بـ32 مليار معامل، متفوّقاً على نماذج تفوقه حجماً 20 مرة، وفق بيان الجامعة.

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، أطلقت "جي 42" و"سيريبراس سيستمز" والجامعة الإصدار الثاني بـ70 مليار معامل، باعتباره أول نموذج إماراتي مفتوح المصدر بالكامل، ويحتلّ مراكز متقدمة عالمياً متفوّقاً على "ديب سيك" الصيني و"جي بي تي 4 أو ميني" من "أوبن إيه آي" الأمريكية، وفق بيان الشركات الثلاث.

كذلك طرحت "إنسبشن"، الذراع البحثية لـ"جي 42"، بالتعاون مع الجامعة و"سيريبراس سيستمز"، نموذج "جيس" (Jais) بـ13 مليار مؤشر في أغسطس (آب) 2023 كأعلى نماذج اللغة العربية جودة عالمياً، وفق بيان الشركات الثلاث. وفي يناير 2026، قدم معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي، التابع لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، نموذج "فالكون H1R 7B"، الذي تخطّى نماذج أكبر حجماً من "مايكروسوفت" و"علي بابا" و"إنفيديا" في الاختبارات المعيارية، وفق بيان المعهد.

بوابة توزيع لا سوق استهلاك

الرميثي تُميّز بين نموذجين اقتصاديين؛ "سوق الاستهلاك" حيث تتدفق القيمة إلى الخارج عبر التراخيص والاشتراكات السحابية لمزوّدين أجانب، و"بوابة التوزيع" حيث تمتلك الدولة الحلَّ الذكي وحقوقَه، كما هو الحال مع "فالكون" و"K2 Think". وتُشير إلى أن "الذكاء الاصطناعي الإماراتي بديل أقل تكلفة من نظيره الأمريكي أو الصيني، ما يجعله خياراً للدول الراغبة في النأي بنفسها عن التوترات الجيوسياسية المرافقة عادةً للتوجّه نحو واشنطن أو بكين."

وفي مقارنة دولية، توضح الرميثي أن النموذج الإماراتي يجمع - خلافاً لغيره - الملكية السيادية للنموذج (وليس مجرد استضافة شركات أجنبية كحالة أيرلندا)، وقدرات حاسوبية ممولة من صناديق سيادية تتخطى ميزانيات دول مثل سنغافورة، فضلاً عن نهج مفتوح المصدر يوسّع الانتشار بدل حصره في تراخيص مغلقة. هذا المزيج، مع الموقع الجغرافي الوسيط وشبكة اتفاقيات "سيبا"، يفتح أمام الإمارات أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا وأفريقيا في آنٍ واحد، بحسب المتحدثة.

الإمارات تبدأ تنفيذ مشروع الذكاء الاصطناعي المساعد بمشاركة 50 جهة اتحادية - موقع 24نظّمت حكومة دولة الإمارات ورشة عمل متخصصة لتطوير وتطبيق الذكاء الاصطناعي المساعد في مسار العمليات والدعم المؤسسي ومسار الخدمات الحكومية، بمشاركة أكثر من 50 وزارة وجهة اتحادية، وأكثر من 300 من المسؤولين والمختصين في مختلف مجالات العمل الحكومي.

حكومة "ذاتية التنفيذ"

بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في أبريل (نيسان) 2026، عن منظومة جديدة تستهدف تحويل 50% من قطاعات الحكومة وخدماتها وعملياتها لاعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ (Agentic AI) خلال عامين، وفق بيان صحافي من المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات عن اجتماع مجلس الوزراء.

تأسيس الجيل الجديد

البُعد التعليمي حاضر في المعادلة الإماراتية؛ إذ انطلق مع العام الدراسي 2025-2026 تدريس مادة الذكاء الاصطناعي في المدارس الحكومية من الروضة وحتى الصف الثاني عشر، باعتماد حكومة الإمارات المنهج النهائي للمادة عبر منشور للشيخ محمد بن راشد على منصة "إكس" في مايو (أيار) 2025.

المنهج، وفق وزارة التربية والتعليم، يبدأ في الروضة بأنشطة بصرية وتفاعلية، ويتدرج نحو تدريب الطلبة على بناء نماذج خاصة بهم وتعلّم هندسة الأوامر وفهم مفاهيم التحيز والخوارزميات والاستخدام الأخلاقي، ضمن مادة "الحوسبة والتصميم الإبداعي والابتكار" دون إضافة ساعات تعليمية، ما يضع الإمارات في طليعة دول العالم التي تُدرج الذكاء الاصطناعي في مناهج التعليم المدرسي.

مع انطلاق العام الدراسي..التعليم والذكاء الاصطناعي مساران متلازمان في الإمارات - موقع 24يشهد العالم تحولاً نوعياً في قطاع التعليم مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى المناهج التعليمية في المدارس، حيث يبدأ مع انطلاق العام الدراسي 2025 - 2026 في دولة الإمارات تدريس مادة الذكاء الاصطناعي في مدارس الدولة، بعد إعلان إدراجها مقرراً دراسياً ضمن المنظومة التعليمية للمدارس الحكومية، من مرحلة رياض ...

أول صرح بحثي متخصص عالمياً

البُعد الأكاديمي يكتمل عند جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي، التي تأسست 2019 بوصفها أول جامعة بحثية في العالم متخصصة بالكامل في الذكاء الاصطناعي على مستوى الدراسات العليا، وفق البوابة الرسمية للجامعة.

تطرح الجامعة برامج ماجستير ودكتوراه في تعلّم الآلة ورؤية الحاسوب ومعالجة اللغات الطبيعية وعلوم الروبوتات، وتستقطب طلبة من 47 جنسية بمنح دراسية كاملة. وهي الجهة المُطلِقة لـ"كي 2 ثينك" بإصداريه، وأحد المطورين الأساسيين لـ"جيس".

استراتيجية وطنية

هذا التحول يندرج في إطار "استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031" المعتمدة عام 2019، التي تستهدف، بحسب البوابة الرسمية لحكومة الإمارات، "الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بمعدل 100% بحلول 2031".

ويُتوقَّع نمو سوق الذكاء الاصطناعي بالدولة من 3.47 مليار دولار في 2023 إلى نحو 46.33 مليار دولار بحلول 2030، فيما تحتلّ الإمارات خلال 2025 المركز الثاني عالمياً في القدرة الحاسوبية المُعلنة بامتلاكها أكثر من 188 ألف رقاقة متقدمة، ويبلغ معدّل تبنّي الذكاء الاصطناعي بين السكان نحو 97 % في 2025، وهو الأعلى عالمياً، ما يجعل السوق المحلية، بحسب الرميثي، "مختبراً حياً لتطوير الحلول المتقدمة قبل تصديرها".

يُذكر أن الإمارات أول دولة في العالم تستحدث حقيبة وزارية للذكاء الاصطناعي عام 2017.