عدد من المنازل في البرتغال (رويترز)
عدد من المنازل في البرتغال (رويترز)
الأحد 28 يونيو 2026 / 10:49

كم عاماً من الدخل لشراء منزل في أوروبا؟.. البرتغال مفاجأة القارة

سجلت أسعار المنازل ارتفاعاً كبيراً تجاوز بكثير الدخول المحلية في معظم أنحاء أوروبا، ما جعل العاصمة البرتغالية لشبونة تصنف ضمن أقل أسواق الإسكان قدرة على تحمل التكاليف في القارة الأوروبية.

ومن المثير للاهتمام أن شراء منزل في باريس ولندن متاح وبأسعار معقولة مقارنة بالدخول المحلية أكثر ما عليه في لشبونة، وفق تقرير لقناة "يورو نيوز".

​ويذكر التقرير أن البرتغال تسوق لنفسها لسنوات باعتبارها واحدة من أعظم قصص النجاح في أوروبا، شمس مشرقة، وأمان، وقطاع سياحي مزدهر، وجودة حياة. لكن وراء هذه الصورة المثالية التي تشبه البطاقات البريدية، يكمن أحد أكثر أسواق الإسكان توتراً وضغطاً في القارة.

ووفق أحدث الأرقام الصادرة عن منصة البيانات "Numbeo"، أصبح شراء منزل في لشبونة الآن يكلف حوالي 18.7 ضعف الدخل السنوي المعتاد للأسرة. ومن بين المدن الأوروبية الكبرى، لا يضاهيها في هذا الارتفاع سوى مدينة "سبليت" الساحلية في كرواتيا.

​10 مدن تسجل أعلى سعر منزل في أوروبا

​"السعر إلى الدخل" أحد المقاييس الأكثر استخداماً لقياس القدرة على تحمل تكاليف السكن. وتقارن هذه النسبة بين تكلفة شراء منزل نمطي ودخل الأسرة المتوسطة، لتبين عدد سنوات الأرباح المطلوبة لشراء عقار. وكلما ارتفعت هذه النسبة، ابتعدت المنازل عن متناول أولئك الذين يتقاضون أجوراً محلية.

ووفق "مايك لانجين"، كبير اقتصاديي الإسكان في بنك "ABN AMRO"، فأي نسبة تتجاوز 10 تشير بالفعل إلى سوق يعاني من مشكلات بالنسبة للمشترين. وتستند هذه العتبة إلى قواعد التمويل العقاري القياسية التي تحصر تكاليف السكن بنحو 30% من دخل الأسرة، وتحدد عادةً مدة القرض بـ 30 عاماً.

وبالمقارنة مع هذا المعيار، تصدرت لشبونة ومدينة سبليت الكرواتية التصنيف، إذ سجلت كل منهما نسبة سعر إلى دخل بلغت 18.7، ما يعادل ضعف المستوى الذي يعتبر مؤشراً على وجود مشكلة تقريباً.
​وجاءت المدن الأخرى في الترتيب كالتالي:
​براغ، وميلانو، وتيرانا: (18.1)
​فيينا: (17.4)
​بلغراد: (17.2)
​باريس: (17.0)
​لندن: (16.0)
​برنو (جمهورية التشيك): (15.8)

وهذا يبرز كيف أصبح امتلاك المنازل بعيد المنال بشكل متزايد في العديد من كبرى المدن الأوروبية. ومع ذلك، تقدم العاصمة البرتغالية أحد أوضح الأمثلة على كيفية انفصال أسعار المنازل تماماً عن القدرة الشرائية المحلية. فالفجوة الحادة التي اتسعت في البرتغال بين أسعار العقارات والأجور على مدار العقد الماضي تفسر بوضوح سبب تصنيف لشبونة اليوم بين أسواق الإسكان الأقل قدرة على تحمل التكاليف في أوروبا.

أسعار العقارات تقفز  

​على مدى السنوات العشر الماضية، ارتفعت أسعار المنازل في البرتغال قرابة 240%، وفق بيانات "Global Property Guide". وخلال الفترة نفسها، ارتفع متوسط الأجر البرتغالي من حوالي 839 يورو شهرياً إلى 1333 يورو، أي بزيادة قدرها 59% تقريباً.

​هذا يعني أن الأسعار ارتفعت بمعدل أسرع بأربع مرات من الدخول. وفي لشبونة، قد تكون هذه الفجوة أوسع بكثير من المتوسط الوطني. ​إذ يبلغ سعر الشقة في وسط لشبونة حوالي 6763 يورو للمتر المربع الواحد. وهذا يعني أن شقة متواضعة بمساحة 50 متراً مربعاً تكلف 338 ألف يورو. وبالمقارنة بين متوسط راتب صافٍ 1416 يورو شهرياً (أي 17000 يورو سنوياً)، فإن ذلك يعادل 19 عاماً من الدخل الكامل، وذلك قبل إنفاق يورو واحد على أي شيء آخر!

​لماذا تستمر أسعار المساكن في الارتفاع بالبرتغال؟

​التفسير الشائع غالباً ما يكون بسيطاً: نقص المعروض من المنازل، ​ولم تعد التحذيرات تأتي من بيانات السوق فحسب، ففي مسحها الاقتصادي لعام 2026، اعتبرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البرتغال من بين الدول الأقل قدرة على الوصول إلى السكن في العالم المتقدم، وأرجعت ذلك إلى العوائق التنظيمية، وضعف سوق الإيجار، وبطء استجابة المعروض السكني للطلب. وأكدت المنظمة أن الشباب هم المتضرر الأكبر.

​فالبلاد تبني منازل أقل بكثير مما تحتاجه، إذ تُنجز البرتغال حالياً ما بين 25 ألفاً إلى 30 ألف منزل سنوياً، بينما تشير التقديرات العامة ومجموعات الصناعة إلى أن البلاد تحتاج إلى 45 ألفاً إلى 50 ألف منزل سنوياً لتلبية الطلب. علاوة على ذلك، لا تخصص البرتغال سوى نحو 2% فقط من مخزونها السكني للإسكان الاجتماعي، وهي واحدة من أدنى النسب في أوروبا.

​ولكن الأبحاث تشير إلى أن القصة أكثر تعقيداً، إذ أشار بنك "ABN AMRO" في تقريره الأخير لمراقبة سوق الإسكان، إلى أن نمو الدخل وانخفاض أسعار الفائدة العقارية كان لهما تاريخياً تأثير أكبر بكثير على ارتفاع أسعار المنازل في جميع أنحاء أوروبا مقارنة بالنمو السكاني أو نقص البناء.

​أزمة تمتد إلى الشوارع

و​أذكت أزمة السكن أكبر موجة من الاحتجاجات المرتبطة بالإسكان في البرتغال منذ عقود. ومنذ 2023، نجحت حركة "Casa para Viver" في النزول بعشرات الآلاف إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد تحت شعار "لم يعد الأمر ممكناً".

​ويطالب الناشطون بفرض ضوابط أكثر صرامة على الإيجارات، وتوفير مساكن بأسعار معقولة، واستغلال المباني الشاغرة، جادّين في أن الحق في السكن هو حق دستوري.

​ويرى "خايمي لوكي"، عضو المجلس الاستشاري للإسكان التابع للمفوضية الأوروبية، أن العواقب تمتد إلى ما هو أبعد من سوق العقارات. فبمجرد أن يعجز المعلمون والممرضات وضباط الشرطة والمهنيون الشباب والطلاب عن تحمل تكاليف المعيشة في مدينة ما، فإن تلك المدينة تبدأ في فقدان قدرتها التنافسية الاقتصادية.

​هل فقاعة العقارات في البرتغال على وشك الانفجار؟

و​على الرغم من تصاعد الضغوط المرتبطة بالقدرة على تحمل التكاليف، فإن قلة من خبراء الاقتصاد يتوقعون انهياراً وثيقاً في قطاع الإسكان. فوجود "الفقاعة" يعني أن الأسعار قد انفصلت تماماً عن الركائز الأساسية للسوق وباتت عرضة لتصحيح حاد ومفاجئ.

​وحذر بنك البرتغال المركزي في تقرير الاستقرار المالي الصادر في مايو (أيار) 2026، من أن نقص المعروض يستمر في دفع الأسعار إلى الارتفاع، لكنه أشاد في الوقت نفسه بالقيود الصارمة المفروضة على الإقراض التي تمنع الاقتراض عالي المخاطر (والذي عادة ما يكون الشرارة لانفجار فقاعات الإسكان). 

و​ما زالت البرتغال تستفيد من الطلب الهيكلي، والمعروض المحدود نسبياً، واستمرار الاهتمام الدولي. وبعبارة أخرى، قد يكون سوق العقارات البرتغالي باهظ الثمن بشكل استثنائي دون أن يكون بالضرورة في "فقاعة مضاربة" كلاسيكية.

​ومع ذلك، فإن مؤشرات القدرة على تحمل التكاليف تطلق إشارات تحذيرية صريحة. إن وصول نسبة السعر إلى الدخل إلى قرابة 19، مقترناً بارتفاع أسعار المنازل بنحو 240% على مدى عقد من الزمان في حين لم ترتفع الأجور سوى 59%، يشير إلى أن هذه التقييمات بات من الصعب جداً تبريرها بالاعتماد على الدخول المحلية وحدها.
​هذا لا يضمن بالضرورة هبوط الأسعار، لكنه يؤكد أن لشبونة أصبحت بالفعل واحدة من أقل أسواق الإسكان قدرة على تحمل التكاليف في أوروبا، إذ اتسعت الفجوة بين أسعار العقارات والدخول المحلية بشكل لم تشهده العقود الأخيرة.