تركيب مكيف هواء جديد في فرنسا (أ ف ب)
تركيب مكيف هواء جديد في فرنسا (أ ف ب)
الأحد 28 يونيو 2026 / 15:02

صراع على شراء أجهزة تبريد الهواء في أوروبا.. ماذا تغيّر؟

واصلت درجات الحرارة الارتفاع لمستويات قياسية من سويسرا إلى التشيك والدنمارك اليوم الأحد، في الوقت الذي انتقلت فيه موجة الحر التي اجتاحت دول غرب أوروبا هذا الأسبوع إلى الأجزاء الوسطى والشرقية من القارة.

وبناءً على بيانات أولية صادرة عن الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية، سجلت ألمانيا رقماً قياسياً يلامس 41 درجة مئوية أمس السبت، ما يمثل أعلى مستوى تاريخي جديد على الإطلاق.

كما سُجلت درجات حرارة مرتفعة بشكل غير معتاد حتى في دول الشمال الأوروبي (الدول الاسكندنافية) التي لا تُعرف بصيفها شديد الحرارة؛ إذ أعلن المعهد الدنماركي للأرصاد الجوية عن رقم قياسي جديد 37 درجة مئوية في بلدة "أودوم" شمال مدينة آرهوس، ليكون هذا اليوم الأشد حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1874، وفي سويسرا، تم تسجيل رقم قياسي جديد 38.8 درجة مئوية في مدينة بازل.

وبحسب شبكة "سي بي إسي نيوز"، تدافع المستهلكون في فرنسا على شراء مكيفات الهواء في عدد من المتاجر مع نقص المعروض، وكذلك تم رصد نقص شديد في المعروض من مكيفات الهواء في ألمانيا.

​وفي مدينة "دورماجن" بغرب ألمانيا، جرى إجلاء عشرات المقيمين في دار لرعاية المسنين لتلقي الرعاية الطبية بسبب ظروف الحرارة الخطيرة داخل المبنى، إذ أفادت إدارة الإطفاء المحلية أن درجات الحرارة داخل الدار وصلت إلى 35 مئوية. وتجدر الإشارة إلى أن أنظمة تكييف الهواء ليست منتشرة على نطاق واسع في ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية لأن القارة غير معتادة إلى حد كبير على مثل هذا الحر الخانق.

لماذا لا يمتلك الأوروبيون مكيفات هواء؟

على عكس الولايات المتحدة أو أجزاء من آسيا، فإن العديد من المنازل في ألمانيا وشمال أوروبا ليست مجهزة للتعامل مع الحرارة الشديدة. ولكن مع ارتفاع حرارة كوكب الأرض، بدأت الاتجاهات في التغير.

و​في بلدان مثل: الولايات المتحدة وأستراليا واليابان، تصبح أشهر الصيف الحارة والرطبة محتملة بفضل دفعات الهواء البارد التي توفرها أجهزة تكييف الهواء، ​ولكن في أجزاء واسعة من أوروبا، غالباً ما يكون الحل تقليدياً وبسيطاً للغاية: إغلاق الستائر، وتشغيل المروحة، وإبقاء الكثير من الماء المثلج في متناول اليد.

و​وفق وزارة الطاقة الأمريكية، يمتلك حوالي 90% من السكان في الولايات المتحدة مكيفات هواء بمنازلهم. أما في أوروبا، التي تتمتع بمناخ مشابه، فإن هذه النسبة فقط 20%، وإن كانت تختلف من مكان لآخر عبر القارة. ففي دولة جنوبية مشمسة مثل إسبانيا، يمتلك حوالي نصف الأسر أنظمة تبريد مركزية، بينما النسبة في ألمانيا نحو 6% فقط.

​وهناك سبب وجيه لذلك؛ فحتى وقت قريب، لم يكن تكييف الهواء يُعتبر ضرورة في العديد من الدول الأوروبية، لا سيما في الشمال.

ماذا تغيّر؟

​لطالما كان الطقس الحار جزءاً من فصل الصيف في أوروبا، ولكن الآن أصبحت موجات الحر الشديدة وهي درجات حرارة مرتفعة ومستمرة تهدد البنية التحتية والنظم البيئية وصحة الإنسان تتحول سريعاً إلى أمر معتاد، وفق تقرير لشبكة "DW" الألمانية.

​وأظهرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة أن أحداث الحرارة الشديدة تتزايد بشكل أسرع مما توقعته النماذج المناخية، خاصة في غرب أوروبا.

​وكشف تحليل حديث أجرته منصة "كلايمت ميتر" (ClimaMeter)- وهي شراكة بحثية أوروبية تحلل الطقس المتطرف- أن درجات الحرارة في يونيو (حزيران) 2026 كانت أكثر دفئاً بنحو 2 إلى 4 درجات مئوية مما كانت ستكون عليه في ظل ظروف مماثلة خلال أواخر القرن العشرين.

​يقول تومامسو ألبرتي، وهو باحث إيطالي مشارك في "كلايمت ميتر"، في بيان، إن هذا الوضع "يؤدي إلى ارتفاع حاد في الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد".

​وارتفع الطلب على مكيفات ووحدات التبريد في ألمانيا 75% بين عامي 2019 و2024 (العام الأكثر دفئاً في السجلات). كما شهدت "يوروفينت"، وهي الجمعية الصناعية لقطاع التدفئة والتهوية والتبريد، معدل نمو "مستقر" في السنوات الأخيرة.

​ورغم هذا الاتجاه، لا تزال مقاومة تكييف الهواء قائمة في أوروبا، بحسب قول ستيجن رينيبوغ، نائب الأمين العام لجمعية "يوروفينت": "في النصائح المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي حول كيفية الحفاظ على الانتعاش، ما زلت أرى نصائح تجنب استخدام تكييف الهواء".

​ويضيف: "لا يزال التبريد يُصنف في كثير من الأحيان كنوع من الرفاهية"، مشيراً إلى أن الأجواء الحارة تشكل خطراً جسيماً على الصحة العامة، حيث إن "هناك عشرات الآلاف من الوفيات المرتبطة بالحرارة في أوروبا كل عام".

​المنازل الأوروبية لم تُبنَ للمكيفات

و​يشعر معظم الأوروبيين أن منازلهم لا تساعدهم على البقاء منتعشين خلال الصيف. إذ صُممت العديد من البيوت والشقق في ألمانيا وأجزاء أخرى من شمال أوروبا للاحتفاظ بالحرارة بالداخل خلال الأشهر الباردة، وليس لتوفير أقصى درجات التبريد عندما يصبح الطقس حاراً.

​ووجدت دراسة حديثة أن قرابة نصف المستجيبين في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي لجأوا إلى تحسين وسائل التظليل والعزل لدرء الحرارة، لكن الكثيرين يفكرون الآن أيضاً في اقتناء مكيفات الهواء.

​ومع ذلك، يمكن أن يشكل تركيب تكييف الهواء في المساكن الأوروبية القديمة تحدياً. وجاء في التحليل: "بينما يسهل دمج تكنولوجيا التبريد في العقارات السكنية والتجارية الجديدة، فإن تعديل البنية التحتية القائمة ليس بالأمر السهل". تسمح التجديدات الكبرى بتركيب أنظمة جديدة، لكن المدن التاريخية في جميع أنحاء أوروبا غالباً ما تواجه "عقبات تنظيمية وجمالية إضافية يتعين التغلب عليها".

​بالإضافة إلى ذلك، تمنع القواعد الصارمة العديد من المستأجرين من تركيب وحدات تبريد في منازلهم المستأجرة، أو أنهم لا يرغبون في القيام باستثمارات مالية كبيرة في عقار يملكه شخص آخر. هذا يترك الناس في بلدان يستأجر فيها نحو نصف السكان منازلهم - مثل ألمانيا والدنمارك والنمسا - يكتفون بخيارات تبريد أقل كفاءة.

​التبريد قضية اجتماعية وصحية خطيرة

التكلفة عامل آخر يمنع العديد من الأوروبيين من تركيب مكيفات الهواء؛ فارتفاع أسعار الطاقة يجعل التغلب على الحرارة أمراً مكلفاً، ويقول 38% من الأشخاص في استطلاع شمل الاتحاد الأوروبي إنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف إبقاء منازلهم باردة.

​وأشارت دراسة أجريت في 2020 من قبل باحثين في إيطاليا - تناولت كيف يغذي الاحتباس الحراري ارتفاع استخدام تكييف الهواء في البلدان المعتدلة مثل فرنسا وإسبانيا والسويد وهولندا - إلى أن الفئات ذات الدخل المنخفض ستتأثر بشكل غير متناسب مع تزايد أهمية التبريد كضرورة أساسية.

و​أدت المخاوف البيئية أيضاً إلى إبطاء الإقبال على مكيفات الهواء في أوروبا. فقد ارتفع إجمالي كمية الطاقة اللازمة لتبريد المنازل والمساحات الأخرى في الاتحاد الأوروبي بشكل مطرد على مدى العقد الماضي، لا سيما منذ 2020.

​وتظهر أحدث البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات)، أنه في حين انخفضت الطاقة المستخدمة لتدفئة المباني بشكل طفيف في 2024، استهلك التبريد طاقة تزيد 15.3% مقارنة بالعام السابق.

​وعلى الصعيد العالمي، يمثل التبريد حوالي 10% من الطلب السنوي على الكهرباء. ولكن مع استمرار توليد جزء كبير من تلك الطاقة من الوقود الأحفوري الملوث والمسبب لارتفاع حرارة الكوكب، فإن هذا لا يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة. ووجدت دراسات مختلفة أن استخدام مكيفات الهواء يمكن أن يرفع درجة الحرارة الخارجية بعدة درجات، مما يخلق حلقة مفرغة.