الذكاء الاصطناعي يغير اقتصاد هوليوود
الأحد 12 يوليو 2026 / 13:11
في الوقت الذي تلجأ فيه استوديوهات هوليوود الكبرى لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج أعمالها الفنية، لتقليل نفقات الإنتاج وتسريع تنفيذ المؤثرات البصرية وبالتالي زيادة الأرباح، اتجه عدد من المخرجين لاستخدام السلاح ذاته، لكن بهدف تقليل الاعتماد على الاستوديوهات نفسها.
من يملك القرار الآن؟
في السابق، كان المخرج الطامح لتنفيذ فيلم خيال علمي ضخم لا يمكنه ذلك بدون هوليوود، فكان يبحث عن استديو كبير لتمويل الفيلم بمئات الملايين من الدولارات، نظراً لارتفاع تكاليف السفر والديكورات الضخمة والمؤثرات البصرية. وإذا لم يُحقق الفيلم النجاح المطلوب كان اللوم كله يُلقى على صنّاع العمل، وربما يتم التراجع عن تمويلهم مستقبلاً، وبالتالي كانت ضغوط الأرباح وشباك التذاكر تمثل معضلة كبرى بين المخرجين وجهات الإنتاج التي تملك القرار النهائي.
غير أن خريطة توزيع القوة داخل صناعة السينما تغيّرت بالكامل مع ظهور الذكاء الاصطناعي. ففي الوقت الذي لجأت فيه الاستوديوهات لاستخدامه لتقليل التكاليف وزيادة الأرباح، نظر المخرجون إلى الأمر من الجهة المقابلة؛ فإذا كانت تكلفة الفيلم ستنخفض لأكثر من النصف بدون هوليوود، فلماذا يحتاجون إلى استوديوهاتها أصلاً؟
هنا بدأت حقبة جديدة من السيطرة الفنية لصالح المخرجين الراغبين في حرية أكبر في اختيار القصص وتحديد طريقة تنفيذها، لأنهم اتجهوا إلى بدائل إنتاجية متنوعة، مثل جمع التمويل من مستثمرين أو شركات صغيرة أو منصات بث، وبالتالي بدأت خسائر الاستوديوهات؛ ليس لأنها لا تملك المال، بل لأنها تفقد سيطرتها واحتكارها للإنتاج.
فيديو AI صيني يربك صناعة السينما العالمية.. هل يبدأ عصر الأفلام بلا نجوم؟ - موقع 2415 ثانية فقط غيّرت ملامح مستقبل السينما العالمية، إذ لم تكن هذه اللقطات مشهداً مسرّباً من فيلم حركة ضخم الميزانية، بل نتيجة إدخال "أمرين نصيين" (Prompts) لا أكثر من قبل المخرج الأيرلندي رويري روبنسون داخل نموذج ذكاء اصطناعي صيني يُدعى "Seedance 2.0".
أول فيلم روائي طويل بالذكاء الاصطناعي
النموذج الأبرز في هذا الشأن نفذه المخرج الأمريكي دوغ ليمان في فيلمه الجديد "Bitcoin: Killing Satoshi"، الذي يُعد أول فيلم روائي طويل يُنتج باستخدام بيئة تصوير تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي.
ويجمع الفيلم، الذي تدور أحداثه حول صحفي يحقق في الهوية الحقيقية لمبتكر عملة "بيتكوين" ساتوشي ناكاموتو، نخبة من النجوم، بينهم كيسي أفليك، وجال جادوت، وبيت ديفيدسون، وإيسلا فيشر.
ووفق تقرير مجلة "فارايتي"، فإن الفيلم لم يُصوَّر في أي مواقع تصوير حقيقية، رغم أن السيناريو يتضمن أكثر من 200 موقع حول العالم، بل اكتفى فريق العمل بتصوير جميع المشاهد داخل استوديو في لندن خلال 20 يوماً فقط، باستخدام منصة تصوير بالذكاء الاصطناعي يُطلق عليها اسم "Gray Box"، وتعتمد على مساحة تصوير محاطة بجدران تحمل علامات تتبع.
كما تُستخدم تلك التقنيات أيضاً لتعديل حركات الشفاه وتعابير الوجه وحركة أجسام الممثلين، بهدف تقليل الحاجة إلى إعادة تصوير المشاهد.
ونقل التقرير عن المخرج والممثلين أن تجربة التصوير كانت أقرب إلى الأداء المسرحي، إذ ركز الممثلون على الأداء التمثيلي دون الاعتماد على بيئات تصوير واقعية.
من جانبه، ساهم دوغ ليمان، عبر شركته "30 Ninjas" المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، في تنفيذ المشروع، لتصل ميزانيته إلى 70 مليون دولار، بدلاً من 300 مليون دولار كان سيتكلفها إذ نُفّذ بالطريقة التقليدية.
تجارب مشابهة.. اعتماد أقل
الأمر ذاته فعله المخرج أليكس بروياس لإعادة إحياء مشروعه السينمائي المؤجل Heaven، بالتعاون مع استوديوهات Ex Machina Studios وK5 لإنتاج الفيلم بوصفه مشروعاً يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل الإنتاج.
أما المخرج ستيفن سودربيرغ، صاحب أفلام Ocean's Eleven وTraffic، يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة فنية أكثر من كونه وسيلة لخفض التكاليف؛ ففي فيلمه الوثائقي John Lennon: The Last Interview، استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج عشر دقائق من المشاهد التي تجسد الأفكار والذكريات والحالات النفسية المرتبطة بمحتوى المقابلات.
ولا تهدف هذه المشاهد إلى استبدال اللقطات الأرشيفية، وإنما تضيف طبقة بصرية جديدة تساعد في التعبير عن الأبعاد الفكرية والوجدانية للفيلم.
تحول اقتصاد صناعة السينما
في حديثه لـ"24"، يرى الناقد الفني محمد عبد الرحمن أن صناعة السينما تقف أمام مرحلة تحول قد تعيد تشكيل اقتصادياتها بالكامل، مشيراً إلى أن التساؤل الأهم حالياً: إلى أي مدى، وإلى متى ستصمد الأفلام التي لا تعتمد على الذكاء الاصطناعي؟ أو ما يمكن أن نسميها بالأفلام الطبيعية أو الحقيقية.
ويضيف أن مستقبل هذا التوجه سيظل مرهوناً بتفاعل الجمهور، فإما أن يعتاد على الأفلام المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ويعتبرها الشكل الطبيعي للسينما، أو يحن إلى الأعمال التقليدية لما تحمله من لمسة إنسانية.
كما لا يستبعد الناقد الفني أن ينعكس اختلاف تكاليف الإنتاج على أسعار التذاكر في المستقبل، بحيث تصبح الأفلام الأعلى تكلفة أغلى سعراً، في مقابل أفلام تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتُطرح بتكلفة أقل، على غرار تفاوت أسعار السلع وفق تكلفة إنتاجها وجودتها.
ساندرا بولوك توجه رسالة لهوليوود: الذكاء الاصطناعي واقع لا يمكن تجاهله - موقع 24صرحت الممثلة العالمية ساندرا بولوك بأنه يجب على صناعة السينما في هوليوود تبني تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بطريقة بناءة وإبداعية..
ضوابط تنظيمية وأخلاقية
على صعيد آخر، يرى محمد عبد الرحمن أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي في السينما يفرض تحديات أخلاقية، أبرزها ضرورة إبلاغ الجمهور عند استخدام هذه التقنيات حتى لا يختلط الواقع بالمحتوى المُولد رقمياً، مؤكداً أنه لا يمانع استخدام الذكاء الاصطناعي في الجوانب التقنية، مثل مضاعفة أعداد المجاميع، بينما إنشاء مدينة أو موقع كامل بالذكاء الاصطناعي وتقديمه على أنه مكان حقيقي يثير إشكاليات، لأن المشاهد لن يتمكن من الإحساس بروح المكان وسكانه الأصليين.
وفي ختام حديثه، يشير الناقد الفني إلى أن هذه الاعتبارات الاقتصادية والأخلاقية قد تستدعي وضع إطار قانوني ينظم استخدام التقنيات الجديدة، مع إلزام المخرجين بالإفصاح عنها، معتبراً أن الكلمة الأخيرة ستظل للجمهور، الذي سيحدد بقبوله أو رفضه مستقبل انتشار هذه الأعمال.