تخلت آبل عن "شات جي بي تي" لصالح غوغل غيميناي
الأحد 12 يوليو 2026 / 21:51
تحولت "الأسرار التجارية" وحقوق الملكية الفكرية إلى أزمة في سباق الذكاء الاصطناعي بين عمالقة التكنولوجيا، بعدما تجاوز التنافس بينهم حدود تطوير النماذج اللغوية واستقطاب المستخدمين إلى خطط إطلاق الأجهزة الذكية، لتدفع بتحالفهم إلى التفكك، والوصول إلى ساحات المحاكم.
أنفقت آبل 31.4 مليار دولار على البحث والتطوير، فيما أنفقت "أوبن إيه آي" عليه، 19 مليار دولار في 2025
مايا زغيب: منظومة الملكية الفكرية الحالية لم تُصمم للتعامل مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، ما يجعلها عاجزة عن مواكبة قضايا النماذج وانتقال الكفاءات، واستخدام البيانات في التدريب.
في أحدث فصول هذا الصراع، رفعت شركة آبل الأمريكية دعوى قضائية أمام محكمة فيدرالية في شمال كاليفورنيا ضد منافستها "أوبن إيه آي"، متهمة الأخيرة، المطورة لنموذج "شات جي بي تي"، بالاستيلاء على أسرارها التجارية، واستغلال ملكيتها الفكرية في تطوير أجهزتها المستقبلية.
وبحسب الدعوى، فإن تانغ تان، كبير مسؤولي الأجهزة في شركة أوبن إيه آي، ونائب الرئيس السابق لشركة آبل، وجّه الموظفين القادمين لإجراء مقابلات عمل في "أوبن إيه آي" إلى مشاركة أسرار "آبل" كجزء من المقابلة والتوظيف، ما دفع الأخيرة لاتهامه بسرقة تصميمات وتقنيات متطورة لم تُطرح بعد.
من جانبها، تقول خبيرة تكنولوجيا المعلومات والتسويق الإلكتروني اللبنانية مايا زغيب، لـ "24"، إن هناك فروق جوهرية بين "الأسرار التجارية" و"براءات الاختراع" و"حقوق النشر"، حيث تشير الأولى إلى معلومات أو تقنيات أو آلية تصنيع لم يُعلن عنها بعد، وتكتسب حمايتها القانونية من سريتها، وهو ما تتحدث عنه آبل، بأن موظفين سابقين أخلوا بالتزاماتهم، وسربوا بصورة غير مشروعة معلومات سرية.

مايا زغيب - خبيرة تكنولوجيا المعلومات
أما "الملكية الفكرية"، فتقوم على مبدأ الإفصاح عن الابتكار للجمهور مقابل منح صاحبه حقاً حصرياً في استغلاله لفترة زمنية محددة، فيما تحمي "حقوق النشر"، التعبير الإبداعي، مثل الأكواد البرمجية والتصميمات والنصوص، ولا تمتد إلى حماية الفكرة المجردة نفسها، بحسب زغيب.
في هذا السياق، تُشدد الخبيرة اللبنانية، على أهمية تحديث منظومة الملكية الفكرية الحالية، كونها لم تُصمم للتعامل مع التطور المتسارع الذي يشهده الذكاء الاصطناعي، بل وُضعت في الأساس لحماية الاختراعات المادية والمصنفات الثابتة، ما يجعلها عاجزة عن مواكبة قضايا مثل نماذج الذكاء الاصطناعي، وانتقال الكفاءات، واستخدام البيانات في التدريب.

شراكة واعدة تتهاوى سريعاً
المفارقة أن المواجهة القانونية بين "آبل" و"أوبن إيه آي" تأتي بعد أقل من عامين على شراكتهما التي راهن عليها الكثيرين مُنذ مؤتمر المطورين العالمي (WWDC 2024)، والتي أعلنت آبل خلاله دمج "شات جي بي تي" داخل منظومة "آبل Intelligence"، بحيث يستطيع مستخدمو أجهزة آيفون الاستعانة بالنموذج عند عجز "سيري" عن الإجابة عن بعض الأسئلة، في خطوة اعتُبرت - آنذاك - انتصاراً كبيراً لـ "أوبن إيه آي"، وترسيخ مكانتها كشريك رئيسي لآبل في مجال الذكاء الاصطناعي.

لكن هذا التقارب لم يدم طويلاً، إذ بدأت العلاقة تدخل مرحلة أكثر تعقيداً مع إعلان "أوبن إيه آي"، دخول سوق الأجهزة الذكية خلال 2025، بعدما استحوذت على شركة "IO Products" التي أسسها المصمم السابق في آبل جوني آيف، في صفقة بلغت قيمتها نحو 6.5 مليار دولار.
وبالنسبة لآبل، لم تعد "أوبن إيه آي" مجرد مزود لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت منافساً محتملاً في سوق الأجهزة الاستهلاكية، خاصة مع إعلان سام ألتمان أن الشركة تعمل على تطوير فئة جديدة من أجهزة الذكاء الاصطناعي للمستهلكين، فيما تحدثت تقارير عن استهداف بيع عشرات الملايين من هذه الأجهزة.
آبل توجه ضربة قاسية باللجوء إلى "غوغل غيميناي"
مع مرور الوقت، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على تراجع متانة الشراكة، حيث كشفت تقارير في مايو (أيار) 2026، أن "أوبن إيه آي" تدرس اتخاذ إجراءات قانونية ضد آبل بعد تعثر المفاوضات بين الطرفين بشأن اتفاقية التعاون، معتبرة أن الشراكة لم تحقق المكاسب التي كانت تتوقعها الشركة عند دمج "شات جي بي تي" في أجهزة آيفون.

وفي المقابل، بدأت آبل توسيع خياراتها وعدم الاعتماد على "أوبن إيه آي" وحدها، إذ اختبرت نماذج منافسة مثل "غيميناي" من غوغل، و"كلاود" من "أنثروبيك"، قبل أن تتجه إلى الاعتماد على "غيميناي" لتشغيل النسخة الجديدة من مساعدها الصوتي "سيري"، وهو ما اعتُبر ضربة استراتيجية لـ "أوبن إيه آي".
أكثر من مجرد نزاع بين شركتين
ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز الخلاف بين آبل و"أوبن آيه آي"، إذ تعكس تصاعد أهمية "الأسرار التجارية" في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة مع دخول الشركات مرحلة تطوير الأجهزة الذكية، واعتمادها على مهندسين ومصممين ينتقلون بين المنافسين.
ويأتي ذلك في وقت تحرص فيه كلتا الشركتين على زيادة انفاقها على البحث والتطوير، إذ تشير الإحصاءات إلى أن آبل أنفقت 31.4 مليار دولار على البحث والتطوير خلال السنة المالية 2025، وهو أعلى مستوى في تاريخ الشركة.
فيما أنفقت "أوبن إيه آي" 19 مليار دولار على البحث والتطوير في 2025، شملت تطوير النماذج الجديدة، وتكاليف التدريب، والبنية الحاسوبية اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.