الرئيس الصيني شي جين بينغ يشارك في حفل افتتاح مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي (غيتي)
الجمعة 17 يوليو 2026 / 13:38
بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوجه، في خطاب متلفز من واشنطن، اتهامات حادة لبكين باستغلال بيانات الانتخابات الأمريكية، كان الرئيس الصيني شي جين بينغ، على الجانب الآخر من العالم، يرسم ملامح مستقبل مغاير تماماً.
وأمام مئات الرؤساء التنفيذيين لقطاع التكنولوجيا، والباحثين، وصناع القرار الذين توافدوا إلى شنغهاي لحضور افتتاح القمة الصينية الأبرز للذكاء الاصطناعي، قدم "شي" بلاده كقوة عظمى مسؤولة عازمة على توجيه دفة الابتكار لصالح البشرية.
ويعكس هذا التباين الصارخ، الذي رصدته شبكة "سي إن إن" الأمريكية، عمق المخاوف والصدوع المحيطة بالتنافس التكنولوجي المحموم بين القطبين، والذي يكتسب وتيرة متسارعة مع الصعود المذهل للذكاء الاصطناعي.
دبلوماسية الذكاء الاصطناعي
وتأتي رسالة شي التي تمثل مسعى واضحاً لتقود الصين وضع القواعد العالمية المنظمة للذكاء الاصطناعي، في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الصينية منافسة شرسة حول هذه التكنولوجيا، إلى جانب قلق مكثف بشأن تداعياتها على الأمن القومي، بما في ذلك قدرة الذكاء الاصطناعي على استغلال الثغرات البرمجية وقواعد البيانات.
وفي خطابه، انتقد شي ما وصفه بـ "التوسع المفرط لمفهوم الأمن القومي في مجال الذكاء الاصطناعي"، أو "تفضيل أمن دولة واحدة على أمن الدول الأخرى" في إشارة مبطنة إلى الطريقة التي ترى بها بكين النهج الأمريكي تجاه التكنولوجيا.
ويرى خبراء أن بكين تطور اليوم ما يسمى بـ "دبلوماسية الذكاء الاصطناعي"، ويعلق رئيس الممارسات الرقمية في مجموعة آسيا الاستشارية جورج تشن قائلاً: "يرى شي في الذكاء الاصطناعي فرصة سانحة لكسب حلفاء جدد في مواجهة الولايات المتحدة. إن الصين تشعر بأنها فوتت فرصة صياغة القواعد العالمية للإنترنت في العقود الماضية بسبب ظروفها الاقتصادية آنذاك، لكنها اليوم تقف في موقف قوة، ولن تسمح بضياع فرصة قيادة الإنترنت الجديد".
ورغم أن الشركات الأمريكية، المتمركزة في وادي السيليكون، لا تزال تتصدر المشهد من حيث النماذج الأكثر قدرة والأجهزة الحوسبية المتقدمة، إلا أن الفجوة مع الصين تتقلص بوتيرة متسارعة بفضل استراتيجيتين مختلفتين:
- الرهان الصيني على التطبيق والانتشار.. إذ تركز بكين جهودها على دمج الذكاء الاصطناعي في مجالات الأتمتة والروبوتات، وتقديم نماذج مفتوحة المصدر ومنخفضة التكلفة لجذب المستخدمين عالمياً.
- صعود النماذج الصينية بعد نجاح شركات صينية مثل DeepSeek وZhipu في تحقيق قفزات نوعية لسد فجوة الأداء مع نظيراتها الأمريكية.
وتشير البيانات الصادرة عن منصة (OpenRouter) إلى هذا التحول الاستراتيجي، إذ ارتفع عدد النماذج الصينية المتواجدة ضمن قائمة أفضل 50 نموذجاً يومياً على المنصة من 5 نماذج فقط في أوائل 2025، ليصل إلى 20 نموذجاً في مايو(أيار) من العام نفسه، لتنافس بقوة الهيمنة الأمريكية.
الأمن السيبراني والاتهامات المتبادلة
وتتزايد حدة التوتر التقني مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بشأن الاختراقات الأمنية وسرقة الملكية الفكرية، إذ تتهم واشنطن جهات صينية بشن حملات ممنهجة لاستخلاص ونقل التكنولوجيا الأمريكية المتطورة عبر تدريب نماذج صينية أصغر على نماذج أمريكية كبرى لتعزيز قدراتها ذاتياً.
من جانبها، حذرت جهة تنظيمية صينية مؤخراً من وجود "باب خلفي" أمني في أداة البرمجة (Claude Code) التابعة لشركة Anthropic الأمريكية، ما نفته الشركة، معتبرة إياه مجرد آلية تجريبية لمراقبة إساءة الاستخدام محظورة أساساً داخل الصين.
ويثير احتمال استخدام أطراف خارجية للذكاء الاصطناعي لاختراق البنية التحتية الحيوية مخاوف بالغة في البيت الأبيض، في حين تدرس بكين من جهتها تقييد الوصول الخارجي لنماذجها الأكثر تقدماً لحماية أمنها المعلوماتي.
صراع النفوذ العالمي
وتستغل الصين الحضور القياسي لقمة شنغهاي التي حظيت بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ونخبة من علماء الحوسبة الحائزين على جوائز نوبل لتعزيز طموحها كصانع رئيسي للمعايير الدولية للذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، يثير هذا الطموح المتنامي قلقاً عميقاً لدى المحللين الغربيين الذين يخشون أن تنجح بكين في تصدير بيئتها الرقمية المقيدة إعلامياً عبر أدوات الحوكمة الجديدة، مثل منظمتها الدولية الناشئة (WAICO).
ويرى الشريك في مجموعة (DGA-Albright Stonebridge) بواشنطن بول تريولو، أن الدول الغربية الكبرى لن تنضم على الأرجح لمنظمة تهيمن عليها الصين.
ويضيف تريولو "السبيل العملي الوحيد للولايات المتحدة وحلفائها هو بناء حوار ثنائي موثوق ومباشر مع بكين حول حوكمة النماذج المتطورة، رغماً عن التعقيدات البيروقراطية وأزمة الثقة العميقة التي تظلل العلاقات بين البلدين".