الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (رويترز)
الجمعة 17 يوليو 2026 / 18:05
يشهد مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية منعطفاً حاسماً، إذ لم تعد تقتصر الضربات الأمريكية على استنزاف القوة العسكرية لإيران، بل تتجه تدريجياً إلى استراتيجية "الخنق الاقتصادي"، عبر استهداف ركائزها الخدمية واللوجستية الأساسية.
وجاء الإعلان عن هذا التحول بوضوح خلال مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" بأنقرة، معلناً انتهاء الاتفاق المؤقت وواصفاً قادة طهران بـ "المخادعين". بذلك، يغلق الرئيس الجمهوري مرحلة الهدنة القصيرة، مع إبقاء باب التفاوض مشروطاً باستجابة إيران للمطالب الأمريكية، لا سيما ما يتعلق بالملاحة في مضيق هرمز والملف النووي، حسب شبكة "سي إن إن".
ولم يكد يغادر ترامب أنقرة بعد حضور قمة الناتو، حتى سارع إلى إرسال إخطار رسمي إلى الكونغرس الأمريكي، يُبلغهم باستئناف العمليات القتالية، وفرض حصار بحري شامل، وفق وكالة "رويترز".
ترامب يستحضر "صلاحيات الحرب" ويشعل الأسواق - موقع 24يدفع الإخطار الذي يقدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الكونغرس، الحرب مع إيران لمنعطف سياسي وقانوني جديد. فالرسالة التي تحمل تاريخ 10 يوليو (تموز)، تُبلغ المشرعين باستئناف الجيش الأمريكي للعمليات العسكرية منذ 7 يوليو (تموز)، لتفتح نافذة جديدة مدتها 60 يوماً لاستخدام القوة العسكرية في المنطقة دون ...
من شل الترسانة إلى تعطيل الدولة
تكشف المقارنة بين الموجات الأولى والمرحلة الحالية، عن تحول جذري في طبيعة الأهداف الاستراتيجية لإدارة ترامب. ففي بداية الحرب ركزت العمليات على شل القدرات العسكرية والنوعية لطهران عبر ضرب المنشآت النووية، ومواقع الصواريخ الباليستية، ومستودعات الطائرات المسيّرة، ومنظومات الدفاع الجوي لضمان حماية المصالح الأمريكية.
وتتوسع خارطة الاستهداف اليوم لتتخذ طابعاً اقتصادياً ولوجستياً واضحاً، يشمل منشآت حيوية ذات وظائف مزدوجة عسكرية ومدنية، مثل الموانئ والجسور وشبكات النقل والمنشآت المرتبطة بالطاقة، وفق الوكالة الفرنسية.
ويشير هذا التحول إلى توسيع واشنطن لنطاق الحملة، بحيث لا تقتصر على إضعاف القوة العسكرية الإيرانية، بل تمتد لتقليص قدرة طهران على تمويل الحرب، والحفاظ على نشاطها الاقتصادي وخدماتها الأساسية.
ويغدو الحصار البحري واعتراض السفن ركيزة أساسية من استراتيجية الضغط الأمريكي. إذ تتجه واشنطن لعرقلة وصول الصادرات الإيرانية إلى الأسواق، وتقييد تدفق السلع والمعدات إلى الداخل، ما يضاعف الضغوط على الاقتصاد الإيراني.

الهدف السياسي من التحول
بحسب سياسة "الضغط الأقصى" التي أعلنتها الإدارة الأمريكية، تسعى واشنطن إلى رفع التكلفة الاقتصادية والسياسية للمواجهة إلى مستوى يفوق قدرة القيادة الإيرانية على تحمله. وتنطلق هذه السياسة من أن الضغط العسكري وحده لا يكون كافياً لدفع طهران إلى تغيير سياساتها، في ظل احتفاظها بمصادر التمويل وعائدات الطاقة والتجارة.
في المقابل، تفيد وكالة "رويترز" بأن الحصار واضطراب الموانئ والبنية اللوجستية يضغطان على حركة التجارة، فيما يؤدي ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل إلى انتقال تداعيات المواجهة من المؤسسات العسكرية إلى الأسواق والشركات والمجتمع.
ويدعم هذا الاستنتاج الخطاب الرسمي للبيت الأبيض، الذي ربط تصعيد الضغوط والعواقب المفروضة على طهران، بدفع القيادة الإيرانية إلى التفاوض والتوصل إلى اتفاق، حسب منصة "وايلي" للأبحاث.
تزداد أهمية الاستراتيجية في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية، إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2026، إلى انكماش الاقتصاد الإيراني واستمرار معدلات التضخم المرتفعة، ما يجعله أكثر تأثراً بأي اضطراب إضافي في قطاعي الطاقة والتجارة.
وتظهر آثار التصعيد في حركة التجارة البحرية، إذ تشير تقارير وكالة "رويترز" إلى تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وإعادة توجيه بعض السفن مع تشديد الحصار الأمريكي، ما يزيد صعوبة تصدير النفط والسلع الإيرانية واستيراد المواد الخام والمعدات، ويوسع تأثير المواجهة من القطاعات العسكرية إلى التجارة والإنتاج والأسواق الداخلية.
التداعيات على الاقتصاد الإيراني
وعلى وقع هذه التطورات، تتعرض مختلف قطاعات الاقتصاد الإيراني لضغوط متزايدة نتيجة الحرب. ويعد النفط أكثر القطاعات عرضة لتداعيات الاستراتيجية الجديدة، نظراً لاعتماد إيران على صادرات الطاقة بوصفها مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية والإيرادات الحكومية، حسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
ووفق البنك الدولي، تنعكس خسارة الإيرادات مباشرة على قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام، ودعم السلع الأساسية، وتغطية تكاليف العمليات العسكرية وإصلاح المنشآت المتضررة.
ويمتد التأثير إلى سوق الصرف، إذ تراجع الريال في أبريل (نيسان) 2026 إلى 1.81 مليون ريال مقابل الدولار، بعد انخفاضه بنحو 15% خلال يومين، وتخطى معدل التضخم السنوي 65.8%. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الحقيقي بـ 5.4% وارتفاع أسعار المستهلك بنحو 68.9% خلال العام نفسه.

أما القطاع الصناعي، فيتأثر بتعطل الموانئ والطرق، وانقطاع الكهرباء، ونقص المواد الخام وقطع الغيار، ما يدفع الشركات إلى خفض الإنتاج أو إغلاق بعض خطوط التشغيل، ويؤدي إلى تراجع الصادرات غير النفطية. ويتوافق ذلك مع تقديرات البنك الدولي التي تربط مستقبل الاقتصاد الإيراني بمدة الصراع، وحجم الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية، ومدى استمرار تعطل صادرات النفط وطرق التجارة.
وعلى صعيد الموازنة العامة، تواجه الحكومة الإيرانية تراجعاً في الإيرادات تزامناً مع ارتفاع نفقات الحرب وإعادة الإعمار. وتقدر شركة "ريستاد إنرجي" تكلفة إصلاح الأضرار المحتملة في البنية التحتية للطاقة داخل إيران بنحو 19 مليار دولار.
اجتماع "غرفة العمليات" يبحث توسيع الضربات الأمريكية على إيران - موقع 24أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء، فرض حصار بحري على جميع الموانئ الإيرانية، مهدداً باستهداف محطات توليد الكهرباء والجسور خلال الأسبوع المقبل، ما لم تستأنف طهران المفاوضات مع واشنطن، في أحدث تصعيد أمريكي للصراع.
وينتقل الضغط بدوره إلى سوق العمل، إذ يؤدي تباطؤ الإنتاج إلى تسريح العمال وتقليص الأجور وساعات العمل، في وقت ترتفع فيه تكاليف الغذاء والدواء والسكن والنقل. ونقلت وكالة "رويترز" شهادات عن اقتراب أسعار بعض السلع من ارتفاع بنسبة 100%، وتزايد البطالة واتساع حالة عدم اليقين.
وتتطابق الرؤية الأمريكية مع تحذيرات معهد التمويل الدولي (IIF)، التي تشير إلى أن استمرار عزل الموانئ الإيرانية وتعطيل شبكات النقل سيهوي باحتياطيات إيران من النقد الأجنبي إلى مستويات حرجة غير مسبوقة، ما يضع القيادة الإيرانية أمام خيارين: إما قبول شروط التفاوض الأمريكية، أو مواجهة انهيار بنيوي شامل.