بوينغ وإيرباص.. صراع الطائرات يعود مجدداً عبر بوابة ترامب
الأربعاء 22 يوليو 2026 / 21:39
اتفاق الهدنة بشأن دعم صناعة الطائرات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم ينجح في إنهاء الصراع بين "بوينغ" و"إيرباص"، بل اكتفى بتجميده مؤقتاً؛ فمع دخول الشركة الأوروبية "إيرباص" مرحلة جديدة من النمو والتوسع، عادت المنافسة بين أكبر شركتين لصناعة الطائرات في العالم إلى الواجهة.
يعيد هذا التطور إلى الواجهة نزاعاً استمر 17 عاماً بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام منظمة التجارة العالمية، تبادل خلاله الطرفان الاتهامات بتقديم دعم حكومي غير عادل لكل من بوينغ وإيرباص.
تزامن ذلك مع مطالبة بوينغ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالضغط على الاتحاد الأوروبي للكشف عن تفاصيل قرض ضخم حصلت عليه إيرباص، في خطوة تعكس انتقال المنافسة بين الشركتين من خطوط الإنتاج وصفقات الطائرات إلى ملف التمويل، وسط مخاوف من أن يمنح القرض الشركة الأوروبية أفضلية في سباق تطوير الجيل المقبل من الطائرات.
ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة، لأنه جاء في توقيت أعلنت فيه إيرباص أنها تجاوزت جزءاً كبيراً من العقبات التي أعاقت إنتاجها خلال السنوات الماضية، ووضعت أهدافاً مالية طموحة تعزز قدرتها على الاستثمار والتوسع، ما تنظر إليه بوينغ بحذر، خاصة مع اقتران تلك الخطط بتمويل أوروبي غير مسبوق.
إيرباص تتوقع مضاعفة الأرباح التشغيلية في 2029 - موقع 24توقعت شركة "إيرباص" الأوروبية لصناعة الطائرات أن بإمكانها زيادة الأرباح التشغيلية بواقع الضعف تقريباً بحلول 2029، فيما تتغلب على العقبات المستمرة في الإنتاج، مما يعطي الشركة القدرة المالية للقيام بعمليات استحواذ ومكافأة المستثمرين، من خلال عمليات إعادة شراء الأسهم.
إيرباص تستعد لمرحلة توسع
ترى الشركة الأوروبية أن الأعوام المقبلة ستكون بداية مرحلة جديدة في مسيرتها، إذ تستهدف تحقيق أرباح تشغيلية سنوية معدلة تتراوح بين 12 و13 مليار يورو بحلول 2029، أي قرابة ضعف مستوياتها الحالية.
كما تخطط لإعادة شراء أسهم بقيمة 5 مليارات يورو خلال السنوات الثلاث المقبلة، بما يمنحها مرونة مالية لتمويل استثمارات جديدة وتنفيذ عمليات استحواذ مستقبلية.
وتستند هذه التوقعات إلى تحسن أوضاع الإنتاج بعد سنوات من الاضطرابات الناتجة عن مشكلات المحركات ونقص قطع الغيار، ما يسمح للشركة بزيادة إنتاج عدد من طرازاتها، وفي مقدمتها "A350"، مع تعزيز حضورها في سوق الطائرات التجارية.

بوينغ تفتح ملف التمويل الأوروبي
بالتزامن مع هذه الخطط، وجهت بوينغ رسالة إلى الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير، طالبت فيها واشنطن بمطالبة الاتحاد الأوروبي بتقديم كشف كامل لشروط قرض تبلغ قيمته 3 مليارات يورو، منحه بنك الاستثمار الأوروبي لإيرباص.
وترى الشركة أن تفاصيل التمويل تستحق المراجعة، خاصة أن اتفاق الهدنة الموقّع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عام 2021 نصّ على اعتماد إجراءات مفتوحة وشفافة فيما يتعلق بدعم شركات صناعة الطائرات، بينما جاء الإعلان عن القرض بعد أربعة أيام فقط من تمديد تلك الهدنة إلى أجل غير مسمى.
واعتبرت بوينغ أن هذا التوقيت يثير تساؤلات حول مدى توافق التمويل مع الاتفاق، وما إذا كان يمنح منافستها أفضلية لا تتماشى مع قواعد المنافسة التي التزم بها الطرفان.
في المقابل، رفض بنك الاستثمار الأوروبي اعتبار القرض دعماً استثنائياً لإيرباص، مؤكداً أنه تمويل تجاري بفائدة يندرج ضمن نشاطه الاعتيادي في تمويل الشركات، وأن البنك يقدم قروضاً مماثلة لآلاف الشركات الأوروبية كل عام.

المنافسة تنتقل إلى طائرة المستقبل
وتزداد أهمية هذا القرض بالنظر إلى الغرض المخصص له، إذ أوضح بنك الاستثمار الأوروبي أن حزمة التمويل ستدعم استثمارات إيرباص حتى 2030، وهو العام الذي تخطط فيه الشركة لبدء تطوير طراز جديد يحل محل عائلة "A320neo"، ضمن مشروع يحمل اسم "eAction".
بدورها، ترى بوينغ أن تزامن هذا التمويل مع استعداد إيرباص لإطلاق برنامج جديد للطائرات يثير تساؤلات بشأن الهدف الحقيقي من القرض، خاصة إذا كان من شأنه منح الشركة الأوروبية دفعة مبكرة في سباق تطوير الجيل المقبل من الطائرات.
ورغم تأكيد بوينغ أن ظروف السوق الحالية لا تزال غير مناسبة لإطلاق برنامج مماثل، فإن معظم المحللين يتوقعون أن تبدأ الشركتان خلال النصف الثاني من العقد الحالي مرحلة جديدة من المنافسة لتطوير طائرات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود وأقل انبعاثاً.

خلاف قديم يتجدد
ويعيد هذا التطور إلى الواجهة نزاعاً استمر 17 عاماً بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام منظمة التجارة العالمية، تبادل خلاله الطرفان الاتهامات بتقديم دعم حكومي غير عادل لكل من بوينغ وإيرباص. وانتهي الأمر بفرض رسوم جمركية متبادلة طالت الطائرات وعدداً من السلع الأخرى، قبل أن يتوصل الجانبان في عام 2021 إلى هدنة أنهت تلك الإجراءات، ثم قرّرا لاحقاً تمديدها إلى أجل غير مسمى لتجنب اندلاع حرب تجارية جديدة.
غير أن الرسالة الأخيرة التي بعثتها بوينغ تشير إلى أن جذور الخلاف لم تختفِ، بل انتقلت من ساحات منظمة التجارة العالمية إلى ملف تمويل برامج الطائرات المستقبلية.
ويضع ذلك إدارة ترامب في موقع مؤثر ضمن المنافسة الدائرة بين عملاقي صناعة الطيران، خاصة بعدما وجّه الرئيس الأمريكي، في يوليو (تموز) الجاري، وزير التجارة والممثل التجاري الأمريكي إلى التفاوض مع الشركاء التجاريين بشأن واردات الطائرات التجارية ومحركاتها وقطع الغيار، في إطار معالجة تأثيرها على صناعة الطيران والأمن القومي الأمريكي.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن اعتراضات بوينغ على القرض الأوروبي قد تكون من بين الملفات المطروحة خلال تلك المباحثات، ما يعني أن المنافسة بين أكبر شركتين لصناعة الطائرات لم تعد مقتصرة على الإنتاج أو حجم الطلبيات، بل أصبحت تمتد أيضاً إلى التمويل والسياسة التجارية، في وقت يستعد فيه القطاع لمرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة المنافسة العالمية.