صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
الخميس 27 أغسطس 2026 / 00:52
بالتزامن مع التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية، ظهرت مشكلة اقتصادية غير مسبوقة، تتمثل في اتساع وفرة المحتوى بما يفوق القدرة على التحقق منه.
الشركات التي ابتكرت نماذج الذكاء الاصطناعي وحققت أرباحاً هائلة بسببها، تحاول الآن إنشاء سوقاً أخرى للتحقق من المحتوى الذي تنتجه تلك النماذج لتحقيق أرباح أكثر.
أسواق التحقق من المحتوى والهويات وتدقيق أنظمة الذكاء الاصطناعي تتجاوز حالياً 150 مليار دولار، مع توقعات بوصولها إلى 500 مليار دولار بحلول 2035.
ففي الوقت الذي استطاعت فيه النماذج توليد كميات هائلة من النصوص والصور والمقاطع المرئية خلال ثوانٍ معدودة، أصبحت الجهات والمؤسسات بحاجة إلى أدوات إضافية وأوقات أطول بكثير للتحقق من مصدر ما يصل إليها وتحديد مدى إمكانية الوثوق به.
وأمام هذه الضغوط لجأت بعض شركات التكنولوجيا إلى وضع "علامات مائية خفية" في صلب المحتوى المولّد آلياً، تتيح التمييز بين ما صنعه الإنسان وما أنتجه الذكاء الاصطناعي. فمثلاً أنثروبيك بدأت تستخدم منذ مطلع أغسطس (آب) الجاري نمطاً إحصائياً في اختيار الكلمات داخل النصوص التي تنتجها نماذج Claude.
وتقول الشركة إن هذا النمط أو ما يُعرف بـ"العلامة الخفية" ينتقل مع النص عند نسخه ولصقه، وإنها تعمل على إطلاق أداة تتيح اكتشافه بسهولة.
كيف تختبئ العلامة داخل النص؟
لا تعتمد البصمة الجديدة على إضافة رموز أو حروف مخفية إلى النص، وإنما على تعديل دقيق في الطريقة التي يختار بها النموذج الكلمات، حيث يغيّر النظام مصدر العشوائية الذي يحدد الاختيار، بحيث يتكوّن عبر النص نمط إحصائي غير مرئي للقارئ، لكن يمكن اكتشافه باستخدام أداة خاصة.
أما ميتا فتعتمد تقنية "Content Seal" لكشف الصور التي تنشئها أو تعدلها نماذجها، مع خطط لتوسيع التقنية إلى الفيديو. بينما تستخدم غوغل تقنية "SynthID"، وهي علامة مائية غير مرئية موجودة داخل الصور والفيديوهات، إلى جانب بيانات "C2PA" التي تكشف مصدر المحتوى وطريقة إنشائه.
والهدف المشترك لهم جميعاً هو إتاحة وسيلة يمكن من خلالها تتبع المحتوى بعد خروجه من النموذج، حتى عندما لا يكون واضحاً للعين أنه مولّد آلياً.
بعبارة أخرى: الشركات التي ابتكرت نماذج الذكاء الاصطناعي وحققت أرباحاً هائلة بسببها، تحاول الآن إنشاء سوقاً أخرى للتحقق من المحتوى الذي تنتجه تلك النماذج لتحقيق أرباح أكثر.

حجم فاتورة التحقق
تشير التقديرات إلى أن أسواق التحقق من المحتوى والهويات وتدقيق أنظمة الذكاء الاصطناعي تتجاوز حالياً 150 مليار دولار، مع توقعات بوصولها إلى 500 مليار دولار بحلول 2035.
وتتوزع هذه القيمة على خدمات متعددة، من بينها التحقق من وكلاء الذكاء الاصطناعي بقيمة متوقعة تبلغ 55 مليار دولار، والمؤهلات والشهادات 40 ملياراً، والمحتوى الرقمي 35 ملياراً، والهويات 30 مليار دولار.
ويرى الخبراء أن أحد أسباب اتساع سوق التحقق هو التغيّر الحاد في اقتصاد التزوير، فقديماً كان إنتاج محتوى مزيف يتطلب مئات أو آلاف الدولارات، أما الآن فأصبح بإمكان أي شخص تنفيذه بجودة احترافية وتكلفة صفرية تقريباً، ما أضعف الثقة في مخرجات الذكاء الاصطناعي، ودفع بعض الشركات إلى التريث في استخدام أدواته على نطاق واسع.
وتكشف تقديرات حديثة عن الكلفة الاقتصادية لهذا التعثر، حيث تتجاوز قيمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعطلة 100 مليار دولار، فيما لا تزال 65% من المؤسسات عالقة في مراحل التجريب والاختبار.
الـ AI يكتب قوانين الكونغرس الأمريكي.. والأخطاء تتسلل إلى السجلات الرسمية - موقع 24أخذ الذكاء الاصطناعي مساحة متزايدة في أعمال الكونغرس الأمريكي، مع اعتماد أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وموظفيهما على أدوات مثل شات جي بي تي...
سباق التحايل على البصمة
المفارقة الحقيقية هي أن السوق الجديدة تحمل معها سوقاً مضادة لإزالة العلامات، فبعد إعلان أنثروبيك ظهرت أدوات مفتوحة المصدر تعيد صياغة النصوص أو تغير أنماط الكلمات بما يضعف الإشارة الإحصائية التي تعتمد عليها العلامة.
وأطلق مطورون أدوات تقول إنها قادرة على إزالة العلامات المائية من النصوص والملفات، فيما ارتفع الاهتمام بعبارة البحث "AI watermark remover" في الولايات المتحدة بنسبة 60%، منذ إعلان الشركة عن تلك العلامات الخفية داخل المحتوى.
الأمر الذي يفتح سوقاً موازية للسوق الموازية أصلاً، فكلما تطورت وسائل إثبات مصدر المحتوى، ستتطور محاولات تجاوزه، وبالتالي لن يذهب الإنفاق إلى أدوات الكشف وحدها، وإنما إلى تطوير بصمات أكثر صعوبة في الإزالة، وأنظمة تستطيع التحقق من المحتوى حتى بعد تعديله.
وهكذا تتحول البصمة الخفية في مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى سباق مفتوح بين من يثبت مصدر المحتوى ومن يحاول طمس هذا الدليل.