صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
الأربعاء 26 أغسطس 2026 / 21:58
من آسيا إلى أوروبا، تتسابق حكومات عدة لمواجهة تراجع المواليد وشيخوخة السكان بحُزم تتراوح بين الدعم النقدي المباشر لسكان المستقبل، إعفاءات ضريبية، تمويل حضانات وسكن وزيادة إجازات الوالدين، وذلك في محاولة لحفز الأسر على الإنجاب وتنشئة الأطفال.
سنغافورة ترفع الدعم المباشر للطفل إلى نحو 55 ألف دولار.. بعدما هبطت الخصوبة إلى 0.87
كوريا أنفقت 275 مليار دولار خلال 18 عاماً.. وOECD: أثر الحوافز النقدية على المواليد محدود غالباً
وتأتي سنغافورة بين أحدث الأمثلة، بعدما رفعت الدعم المباشر للطفل إلى عشرات الآلاف من الدولارات، في وقت هبط فيه معدل الخصوبة إلى أدنى مستوى في تاريخها، وبذلك تلحق هذه الدولة المزدهرة بتجارب ممتدة من كوريا الجنوبية واليابان والصين إلى المجر وبولندا وفرنسا.
وأعلنت الحكومة السنغافورية، الأحد الماضي، حزمة تمنح كل طفل مواطن 62 ألف دولار سنغافوري (ما يعادل 48 ألف دولار أمريكي)، ضمن إعانات نقدية ومدخرات للتعليم. هذه الحزمة ترفع مع المزايا القائمة إجمالي الدعم المالي المباشر حتى سن 17 عاماً إلى نحو 70 ألف دولار سنغافوري (قرابة 55 ألف دولار أمريكي)، إلى جانب زيادة إجازات رعاية الأطفال وخفض رسوم الحضانات ودعم السكن.
وجاءت الحزمة بعدما سجل معدل الخصوبة في سنغافورة 0.87 طفل لكل امرأة في 2025، مقابل 0.97 في العام السابق و1.24 قبل 10 سنوات.
وتقول الحكومة إن عدد المواليد المقيمين انخفض إلى نحو 27.5 ألفاً، بينما أصبح أكثر من 21% من المواطنين في سن 65 عاماً فأكثر.

من المنع إلى التشجيع
لم تكن سنغافورة وحدها التي بدلت اتجاهها، إذ تقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة انتقلت من سياسات الحد من النمو السكاني خلال عقود سابقة، إلى برامج تستهدف اليوم مواجهة انخفاض الخصوبة، فيما تستخدم دول أوروبية مثل فرنسا والمجر وبولندا، إلى جانب دول الشمال الأوروبي، مزيجاً من الإعانات والإجازات والحضانات والمزايا الضريبية.
إعانات المواليد
وتقدم تايوان منذ بداية 2026 إعانة ولادة 100 ألف دولار تايواني لكل طفل (ما يعادل 3150 دولار أمريكي)، بينما تدفع إيطاليا ألف يورو (نحو 1160 دولار أمريكي) للأسر المؤهلة عن كل مولود جديد.
وتعود سنغافورة ذاتها إلى الاتجاه المؤيد للإنجاب منذ 1987، عندما استبدلت شعار "توقف عند طفلين" بشعار "أنجب ثلاثة أو أكثر إذا كنت تستطيع تحمل كلف معيشتهم"، بعدما أثار تراجع المواليد مخاوف بشأن النمو والشيخوخة.
وفي ألمانيا، يحصل الآباء خلال 2026 على 259 يورو شهرياً لكل طفل (ما يعادل نحو 302 دولار أمريكي) ضمن برنامج "Kindergeld"، بغض النظر عن دخل الأسرة.
أما في رومانيا، تبلغ الإعانة الحكومية 719 ليو شهرياً للطفل حتى سن عامين (ما يعادل نحو 159 دولاراً أمريكياً)، ثم تنخفض إلى 292 ليو شهرياً (نحو 65 دولاراً أمريكياً) من سن عامين حتى بلوغ 18 عاماً، وفق البيانات الحكومية الرسمية.
كوريا الجنوبية
كوريا الجنوبية من أكثر الدول التي أنفقت لمواجهة هذه الأزمة، فبحسب بيانات حكومية نقلتها وكالة "يونهاب"، ضخت سيؤول نحو 380 تريليون وون، ما يعادل 275.6 مليار دولار، خلال 18 عاماً في برامج تستهدف رفع معدلات الإنجاب. لكن معدل الخصوبة واصل الهبوط حتى 0.72 طفل لكل امرأة في 2023. وسجل المعدل تحسناً بعد ذلك، ليصل إلى 0.80 في 2025. إلا أن خبراء تحدثوا إلى "رويترز" حذروا من اعتبار هذا الارتفاع تحولاً دائماً في المسار الديموغرافي للبلاد.
بولندا
يمنح برنامج إعانة الأطفال في بولندا حالياً 800 زلوتي (ما يعادل 217 دولاراً) شهرياً لكل طفل؛ ما يساعد بحسب منظمة OECD في خفض فقر الأطفال بصورة واضحة. لكنه لم ينجح في إحداث ارتفاع مستدام في معدل الخصوبة.
المجر
وفي المجر، تتوقع المنظمة أن تكلف الإعفاءات الضريبية الجديدة المخصصة للأمهات نحو 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026، لكنها ترى أن أثر هذه الإجراءات على معدلات الإنجاب سيظل محدوداً.

عمال أقل ومتقاعدون أكثر
تكشف أرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD حجم التحول الديموغرافي الذي تواجهه دولها، بعدما تراجع متوسط الخصوبة من 3.3 أطفال لكل امرأة في 1960 إلى 1.5 فقط في 2022، أي أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 طفل لكل امرأة.
وفي الوقت نفسه، تتجه المجتمعات إلى الشيخوخة بوتيرة متسارعة، وتتوقع المنظمة أن يرتفع عدد من تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر من 30 شخصاً لكل 100 في سن العمل عام 2020 إلى 59 شخصاً بحلول 2060، بما يضع ضغوطاً أكبر على أنظمة المعاشات والرعاية الصحية والخدمات طويلة الأجل.
المال لا يكفي وحده
ولا تظهر التجارب الدولية أن زيادة الدعم النقدي تقود بالضرورة إلى طفرة في المواليد، إذ تفيد مراجعة لمنظمة OECD بأن تأثير التحويلات النقدية على الخصوبة كان في معظم الدراسات محدوداً، وأحياناً مؤقتاً أو غير واضح.
وتربط المنظمة قرار تكوين أسرة والإنجاب بعوامل تتجاوز قيمة الإعانة التي يحصل عليها الأبوان، من بينها.. أسعار السكن، واستقرار الوظائف، وكلفة الحضانات، والقدرة على التوفيق بين العمل ورعاية الأطفال، إلى جانب كيفية تقاسم أعباء الرعاية داخل الأسرة.