جانب من رصد الجفاف الأخير في إنجلترا (أ ف ب)
السبت 29 أغسطس 2026 / 13:50
تحولت الشواهد البيئية في المملكة المتحدة إلى جرس إنذار متواصل، فبينما لم تمضِ فترة طويلة على انقضاء فصل الشتاء، والذي يعد من أكثر المواسم هطولاً للأمطار ويسهم في إعادة ملء الخزانات والآبار الجوفية لمستويات مطمئنة، وجدت إنجلترا نفسها مجدداً في مواجهة ظاهرة قاسية، تُعرف بـ "الجفاف المفاجئ".
ولم يكن هذا التحول المناخي الشديد مجرد تقلب عابر في حالة الجو، بل وضع شبكة المياه الوطنية بأكملها في مواجهة أزمة وجودية، تُعيد إلى الأذهان أزمة المياه التاريخية التي شهدتها البلاد عام 1976.
وتتجسد الأزمة اليوم في أبهى صورها في المناطق الجنوب الشرقية للبلاد؛ حيث دفعت درجات الحرارة المرتفعة وانحباس الأمطار شركات المياه إلى الاندفاع نحو حلول اضطرارية، كان أبرزها الاستعانة بأسطول من الشاحنات لنقل الإمدادات بين المناطق، مع إعلان صلاحيات استثنائية لفرض قيود طارئة على الاستهلاك، بحسب تقرير لوكالة بلومبرغ.
واليوم، يواجه نحو 30 مليون شخص حظراً رسمياً على استخدام خراطيم المياه، بينما تسببت موجات الحر المتتالية في جفاف مياه الأنهار، واندلاع حرائق الغابات، وتضرر المحاصيل الزراعية بشكل بالغ.
وفي العاصمة لندن، أدى جفاف التربة الطينية وانكماشها إلى تسجيل ارتفاع قياسي في مطالبات التأمين المتعلقة بهبوط المنازل وتصدعها، مما يعكس الأثر المباشر للأزمة على الحياة اليومية للمواطنين.
البنية التحتية تحت الاختبار
ولم تقتصر التداعيات على المعاناة المنزلية، بل امتدت لتطال قطاعات الأعمال والأنشطة التجارية التي تعتمد كلياً على الإمدادات اليومية المنتظمة.
وفي هذا السياق، تبرز معضلة البنية التحتية المتهالكة كعامل مضاعف للمشكلة، حيث تعاني شركات كبرى في مقدمتها "ثيمز ووتر"، التي تعود أصول بعض شبكاتها إلى العصر الفكتوري من ارتفاع حاد في معدلات التسرب، وتفجر الأنابيب بفعل الإجهاد الناجم عن انكماش التربة وارتفاع الطلب.
ورغم خطط الصيانة المعلنة، كشفت التقارير والبيانات الرسمية أن نسبة الفقد والتسرب الفعلي للمياه تجاوزت التقديرات والافتراضات الواردة في الخطط التشغيلية للشركات.
وهذا الخلل المتزايد يضع إدارة المرافق تحت ضغوط تنظيمية غير مسبوقة، مما يدفعها لبحث حلول مكلفة وعاجلة، مثل البدء في إجراءات إعادة تشغيل المنشآت الحيوية المتوقفة، وعلى رأسها محطة تحلية المياه في شرق لندن، لتعويض النقص الحاد في الشبكة.
صراع بين الاحتياجات والتوازن البيئي
وفي محاولة لمواجهة العجز المائي المتفاقم، تسعى شركات مثل "ساوثرن ووتر" إلى الحصول على أذونات استثنائية تتيح لها الاستمرار في سحب المياه من الموارد الطبيعية المتاحة، وعلى رأسها نهر "تيست" المحمي بيئياً، حتى وإن انخفضت تدفقات النهر عن الحدود الآمنة المحددة قانوناً.
إلا أن هذه الخطوة تفتح باباً واسعاً للجدل والاعتراضات البيئية؛ فالنهر يُعد من الأنظمة البيئية النادرة جداً في العالم.
ويؤدي انخفاض منسوب المياه في النهر إلى مستويات حرجة، بالتوازي مع ارتفاع درجات الحرارة، إلى تفاقم نمو الطحالب وتراجع مستويات الأكسجين في المياه.
وهذا التدهور البيئي السريع يهدد الكائنات الحية والأسماك النادرة، مثل أسماك السلمون ذات الجينات الفريدة، بالانقراض المحلي التام. وهو ما دفع المنظمات المعنية بحماية الحياة البرية ووكالة البيئة إلى إبداء مخاوف جادة تجاه تقديم حلول مؤقتة لسد احتياجات السكان والتجار على حساب سلامة الأنظمة البيئية شديدة الحساسية.
رؤية مستقبلية
وأشار التقرير إلى أن الأزمة الحالية التي تخيم على إنجلترا ليست مجرد جفاف صيفي عابر، بل هي انعكاس مباشر لتحديات التغير المناخي الشاملة، التي باتت تفرض نفسها على القارة الأوروبية بأكملها.
ويبقى الرهان في المرحلة المقبلة قائماً على مدى قدرة الإدارات المعنية على تحقيق التوازن الدقيق بين تلبية احتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية الأساسية، وبين الحفاظ على الموارد البيئية الطبيعية لحمايتها من الانهيار الدائم.