السبت 29 أغسطس 2026 / 14:35
بقيمة تتخطى 367 مليار درهم..

استثمارات الواجهات المائية تقود طفرة الترفيه والتجزئة في الإمارات

تتجاوز قيمة الاستثمارات في مشاريع التطوير الساحلي والقنوات المائية الاصطناعية والمراسي 367 مليار درهم "100 مليار دولار أمريكي"، وفقاً لتقرير رصد المشاريع الإقليمية الصادر عن مؤسسة "ميد" لعام 2026، لتعلن عن ولادة قطاع استثماري استهلاكي عالي النمو يعيد صياغة خريطة التجزئة والضيافة في الدولة.

ويبرهن الحجم الاستثماري الضخم والموزع عبر جغرافيا الدولة على أن الممرات الزرقاء لم تعد مجرد معالم هندسية أو مجارٍ مائية مجردة، بل تحولت إلى بنية تحتية تشغيلية ومنصات مالية فائقة الربحية تستقطب كبرى المجموعات المصرفية ومطوري الضيافة العالميين.

مشاريع رائدة

ويظهر هذا التوجه الاستثماري الملياري بشكل ملموس في المشاريع التجارية الكبرى التي أعادت رسم المخططات الحضرية في العاصمة أبوظبي. ويمثل مشروع "القناة" نموذجاً بارزاً في هذا السياق بتكلفة استثمارية بلغت 850 مليون درهم، حيث جرى تصميمه ليكون وجهة مائية متكاملة تحتضن المطاعم والأنشطة المجتمعية والترفيهية المفتوحة على الواجهة البحرية.

وفي إمارة دبي، تترجم هذه الطفرة المائية إلى حركة تداول تجارية قياسية، حيث سجلت العقارات الشاطئية والمحلات والممرات المائية مبيعات استثنائية خلال النصف الأول من العام الجاري، لتستأثر بحصة جوهرية من التدفقات النقدية الاستهلاكية.

وبالتوازي مع هذه المشاريع، فقد شهدت إمارة الشارقة قفزة نوعية عبر مشروع "مدينة الواجهة المائية لإمارة الشارقة" بقيمة استثمارية ضخمة تصل إلى 25 مليار درهم، والذي يمتد ليضيف 36 كيلومتراً من الخطوط الساحلية المخصصة للعيش المشترك والضيافة الفاخرة والتجزئة المفتوحة.

وتتكامل هذه المشهدية الاستثمارية الشاملة مع المشاريع البحرية والوجهات السياحية الناشئة في إمارات رأس الخيمة وعجمان وأم القيوين والفجيرة.

الفكر الاستثماري للدولة

وتستهدف الخطط المتزامنة في إقامة هذا النوع من المشاريع تحقيق قفزة في بنية الاقتصاد الاستهلاكي المحلي عبر نقله إلى الفضاءات المفتوحة، وتوفير بدائل حيوية قادرة على استقطاب الرواد خارج الأسوار التقليدية للمولات المغلقة والبيئات الخرسانية.

وينعكس هذا التحول الهيكلي الشامل في الفكر الاستثماري بالدولة على آليات تقييم المتر المربع المائي الذي بات يتبع فلسفة تشغيلية مختلفة تماماً عن العقار البري المعتاد في سائر أسواق المنطقة.

وتكشف إحصائيات الجهات الرسمية المعنية بتطوير قطاع أسواق الضيافة والتجزئة أن المنشآت الفاخرة والمقاهي والمطاعم الممتدة فوق الواجهات المائية المصغرة أو الجسور المدمجة بالماء تسجل معدل إنفاق للمستهلك الواحد يرتفع بنسبة تتراوح بين 25% و35% مقارنة بالمحلات الواقعة في الشوارع التجارية البرية أو حتى في الأجنحة الداخلية للمراكز التجارية الضخمة.

ويعود هذا الفارق السعري الاستثنائي الذي يحققه المستثمرون إلى ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية السلوكية بـ"علاوة الأجواء والإطلالة"، حيث يظهر المستهلك، سواء كان مواطناً أو مقيماً أو سائحاً، مرونة مالية عالية في تقبل تكلفة إضافية مقابل الاستمتاع بتجربة الضيافة المفتوحة والمباشرة على الماء.

وينعكس هذا السلوك بشكل إيجابي ومباشر على تقليص فترة استرداد رأس المال الصافي للمشاريع، ويجعلها من الخيارات المفضلة للمجموعات الاستثمارية الكبرى والصناديق الخاصة التي تبحث عن عوائد مستدامة وسريعة النمو تتماشى مع الزيادة المتنامية في التدفقات السياحية العالمية الشاملة لكافة إمارات الدولة.

تحفيز النمو

ويؤكد وائل أبو محسين الخبير الاقتصادي والمالي على دور هذه المشاريع الحضرية المبتكرة في تحفيز النمو الاقتصادي الشامل وتطوير جودة الحياة الحضرية في المدن.

ويرى: "أن الهدف الأساسي من تطوير القنوات المائية والممرات الساحلية الحديثة يتجاوز مجرد إضافة لمسات جمالية حيوية للمدن، بل يكمن في توفير بيئات استثمارية واقتصادية متكاملة ترفع من جودة الحياة وتوفر فرصاً استثنائية لقطاع الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة".

ويوضح: "إن تحويل هذه الممرات إلى وجهات سياحية وتجارية مفتوحة يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوليد قنوات دخل جديدة ومستدامة للمستثمرين في قطاعات التجزئة والترفيه والخدمات الفاخرة".

وكان التوجه التنظيمي لمشاريع الواجهات البحرية قد وجد استجابة فورية من كبار المطورين العقاريين في كافة إمارات الدولة الذين وجدوا في هذا النوع من المشاريع حلاً لمعادلة شديدة التعقيد في سوق التجزئة المعاصر، وهي كيفية جذب المستهلك الذي سئم من الأجواء النمطية للمجمعات التجارية المغلقة ويبحث عن المساحات المفتوحة المدمجة بالبيئة الطبيعية والمائية.

وفي تصريحات سابقة لمسؤولي قطاع التطوير العقاري والسياحي في المجموعات الكبرى بالدولة، تمت الإشارة إلى أن المستهلك الحديث أصبح يبحث عن التجربة الحية المتكاملة والاندماج مع المساحات المفتوحة.

عوائد اقتصادية

ورغم أن الكلفة الإنشائية للمشاريع المائية وتجهيز القنوات الاصطناعية وتأمينها تكون مرتفعة جداً في مراحلها الأولى وتتطلب تخطيطاً رأسمالياً مكثفاً، إلا أن العوائد الاقتصادية طويلة الأجل وتأثيرها الإيجابي المباشر على قيمة الأصول العقارية والتجارية المحيطة بها يبرر هذا الإنفاق الاستثماري السخي، نظراً لأن الممرات المائية المطورة باتت تمثل القوة الجاذبة الأساسية التي تعيد صياغة خيارات التسوق والترفيه وتحول المساحات الزرقاء إلى أصول مالية تدر أرباحاً مستدامة للمستثمرين وصناع القرار.

وفي ضوء الحقائق السابقة، يتضح أن الاستثمار في "سوق الكورنيش البديل" يمثل ملامح الاقتصاد الأزرق الحضري الجديد الذي يعيد صياغة المدن الإماراتية المعاصرة ويمنحها ميزة تنافسية عالمية على صعيد جذب رؤوس الأموال والسياح.

لم يعد الماء مجرد عنصر طبيعي للمشاهدة الصامتة، بل بات ركيزة استثمارية نشطة تولد القيمة المضافة وتدعم قطاع التجزئة، وتوفر قنوات مرنة ومبتكرة لرواد الأعمال والمشاريع الوطنية الناشئة لإطلاق مفاهيم تجارية غير تقليدية بتكاليف تأسيسية مرنة ومخاطر محدودة مقارنة بالمساحات التقليدية الثابتة.

ومع نضوج هذا النموذج المالي الفريد، تواصل دولة الإمارات ريادتها في ابتكار قطاعات استثمارية حيوية من رحم مرونتها التشغيلية وقدرتها على استباق تطلعات المستهلك العالمي، لتظل البيئات المائية المطورة قاطرة رئيسية تقود الطفرة الاستثمارية القادمة في قطاع الترفيه والسياحة الإقليمي والدولي.