أرشيفية.
السبت 19 سبتمبر 2026 / 14:32
يواجه النظام المالي العالمي واحدة من أعقد المعضلات الاقتصادية في التاريخ الحديث، حيث تجد البنوك المركزية الكبرى نفسها محاصرة بين فكي كماشة: التضخم المستعصي المدفوع بصدمات العرض والتوترات الجيوسياسية من جهة، وخطر الانزلاق نحو الركود التضخمي بسبب أداة الفائدة "العمياء" من جهة أخرى.
ويطرح هذا المشهد المعقد سؤالاً محورياً يتردد في أروقة صناع السياسة النقدية حول مدى قدرة رفع أسعار الفائدة على كبح جماح التضخم، إذا كان جزء كبير من ضغوط الأسعار ينبع من عوامل خارجة عن السيطرة، مثل إمدادات الطاقة، والممرات البحرية المغلقة، والصراعات الجيوسياسية المتصاعدة.
قصور الأدوات التقليدية
بحسب أدبيات الاقتصاد الكلي التقليدية، يمثل التشديد النقدي عبر رفع أسعار الفائدة الترياق الهيكلي لمعالجة ما يُعرف بـ"تضخم جذب الطلب"، وهي الحالة التي تشخصها تقارير صندوق النقد الدولي بأنها ناتجة عن وفرة السيولة النقدية وتدفق القروض الرخيصة التي تحفز إنفاق المستهلكين بما يتجاوز القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
لكن خبراء مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي يقرون بأن المشهد العالمي الروتيني بات مغايراً تماماً؛ حيث تصنف التقارير الدورية المعاصرة التضخم الحالي ضمن فئة "تضخم دفع الكلفة"، المدفوع بصدمات العرض وارتفاع مدخلات الإنتاج.
وفي هذا الصدد، تشير الدراسات التحليلية الصادرة عن بنك التسويات الدولية (BIS) إلى أن أدوات السياسة النقدية تؤثر حصرياً على القنوات الائتمانية لجانب الطلب، من خلال رفع تكلفة الاقتراض وتقليص معدلات الاستهلاك والاستثمار الخاص؛ بينما تعجز هذه الأدوات هيكلياً، وفقاً لمعهد بروكينغز للدراسات الاقتصادية، عن إيجاد حلول مادية لنقص المعروض، سواء عبر إنتاج برميل نفط واحد إضافي، أو تسريع حركة الشحن عبر الممرات البحرية المتأثرة بالصراعات، أو إنهاء الاضطرابات الجيوسياسية.
ونتيجة لهذه الفجوة الوظيفية، يصف المحللون في مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني لجوء البنوك المركزية إلى الفائدة في هذه الحالة بأنه استخدام لـ"مطرقة نقدية غليظة" لتبريد الاقتصاد ككل، طمعاً في علاج مشكلة قطاعية منشؤها الأساسي نقص الإمدادات والقطوعات الهيكلية الحيوية.
ورغم اعتراف الاقتصاديين بمحدودية الفائدة في مواجهة أزمات الإمداد، فإن البنوك المركزية، وفي مقدمتها الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، تواصل استخدام هذه الأداة لأسباب استراتيجية محددة.
دوافع التشديد النقدي
وأمام هذا العجز الهيكلي لأداة الفائدة عن إصلاح الاختلالات الجيوسياسية وصدمات العرض، تبرز إشكالية جوهرية حول الدوافع التي تجبر صانعي السياسة النقدية على الاستمرار في مسار التشديد.
ووفقاً للدراسات التحليلية الصادرة عن بنك إنجلترا المركزي وبنك الاحتياطي الفيدرالي، فإن هذا التمسك لا يستهدف حل أزمة الإمدادات ذاتها، بل ينطلق من خطة دفاعية ثلاثية الأبعاد لحماية الاستقرار المالي الكلي.
حيث يكمن المحور الأول لهذه الخطة في حماية "مرساة التوقعات التضخمية" من الانفلات؛ إذ ترتكز النظرية النقدية لمدرسة شيكاغو الاقتصادية على أن سلوكيات المتعاملين في السوق هي المحرك الأساسي لاستدامة التضخم. فإذا ترسخ في وعي المستهلكين والشركات أن الأسعار ستواصل الارتفاع بمعدلات قياسية، سيتجهون فوراً إلى تسريع عمليات الشراء والتخزين المسبق، مما يخلق مناخاً تضخمياً ذاتي التحقق يُخرج الأسواق عن السيطرة النقدية.
معضلة الأجور والأسعار
وفي موازاة هذا الخطر السلوكي، يظهر المحور الثاني للتدخل النقدي، والمتمثل في منع ما تسميه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) "التأثيرات الثانوية" لصدمات العرض. فعندما تقفز أسعار الطاقة عالمياً، تلتهم هذه الارتفاعات هوامش أرباح قطاع الأعمال والقوة الشرائية الحقيقية للمستهلكين، ما يدفع النقابات العمالية والموظفين للمطالبة الحتمية بأجور أعلى تعوض كلفة المعيشة.
وهنا تضطر الشركات، وفقاً لتقارير المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية (NBER)، إلى رفع أسعار منتجاتها مجدداً لتغطية بند الأجور الإضافي. وهذا السلوك التتابعي يؤدي بالتبعية إلى إدخال الاقتصاد في "دوامة الأجور والأسعار" اللانهائية التي يصعب كسرها لاحقاً.
تدمير الطلب القسري
ولقطع الطريق أمام هذه الدوامة المدمرة، تلجأ المصارف المركزية مجبرة إلى محورها الثالث والأقسى، ما يُعرف في أبحاث كلية لندن للاقتصاد (LSE) بـ"التدمير العمدي والقسري لجزء من الطلب الكلي"، لإعادة التوازن الهيكلي مع العرض المنخفض.
وتستند هذه الآلية إلى حقيقة أنه إذا انخفض المعروض العالمي من السلع الاستراتيجية، كالغذاء والنفط، بنسبة معينة نتيجة للحروب أو العقوبات، فإن السياسة النقدية التقييدية تتدخل عبر سلاح الفائدة لتقليص قدرة الأسواق المحلية على الاستهلاك بنسبة تتطابق مع ذلك النقص.
ويهدف هذا الإجراء القسري إلى مساواة كفتي الميزان الاقتصادي عند نقطة تعادل جديدة، حتى لو كان الثمن المباشر لهذا التوازن هو التضحية بمعدلات النمو والدفع بالاقتصاد نحو التباطؤ.
وتُظهر البيانات والتقارير المالية الدولية أن الإفراط في استخدام أداة الفائدة لعلاج تضخم العرض يحمل كلفة باهظة على النمو العالمي.
كلفة الفاتورة العالمية
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن متوسط النمو العالمي يترنح بالقرب من حاجز يتراوح بين 2.6% و2.8%، ما يقل بوضوح عن المتوسط التاريخي البالغ 3.8% قبل سلسلة الأزمات الجيوسياسية الحالية.
وفي حين نجحت معدلات الفائدة المرتفعة، والتي استقرت عند مستويات تتراوح بين 4.5% و5.5% في الاقتصادات المتقدمة، في خفض معدلات التضخم الإجمالية من ذروتها، إلا أن التضخم الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء، لا يزال يبدي عناداً واضحاً ويستقر فوق المستهدفات الرسمية البالغة 2% في معظم دول مجموعة السبع.
فضلاً عن ذلك، أدى رفع الفائدة إلى قفزة هائلة في تكلفة خدمة الديون، حيث باتت الدول النامية والناشئة تخصص ما يصل إلى 30% إلى 40% من إيراداتها العامة لدفع فوائد الديون فقط، ما يحرم قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية من التمويل الأساسي.
تحذيرات المؤسسات الدولية
وتراقب المؤسسات المالية الدولية المشهد بقلق متزايد، وتتفق في تشخيصها على أن الاستمرار في الاعتماد الكلي على السياسة النقدية وحدها ينطوي على مخاطر هيكلية.
ويرى صندوق النقد الدولي أن البنوك المركزية مجبرة على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لمنع حدوث انتكاسة تضخمية أخرى، محذراً في الوقت ذاته من أن الصدمات الجيوسياسية المستمرة، مثل تفتت التجارة العالمية ونشوء كتل اقتصادية منافسة، قد ترفع التكاليف الهيكلية للإنتاج بشكل دائم.
من جانبه، يتبنى البنك الدولي نبرة أكثر تحذيراً فيما يتعلق بالاقتصادات النامية، مؤكداً أن علاج تضخم العرض عبر سحق الطلب يؤدي مباشرة إلى الركود التضخمي، مشيراً إلى أن تشديد الائتمان يعوق الاستثمارات الضرورية للتحول الأخضر وتأمين سلاسل الإمداد.
وفي سياق متصل، أوضح بنك التسويات الدولية أن السياسة النقدية لا يمكنها العمل في فراغ، منتقداً استمرار بعض الحكومات في تبني سياسات مالية توسعية وزيادة الإنفاق العام والدعم العشوائي، ما يتناقض مباشرة مع جهود البنوك المركزية التقييدية ويجبرها على رفع الفائدة بمعدلات أعلى من المفترض.
آفاق الحلول المستدامة
وتشير مخرجات الاجتماعات المشتركة لخبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب التوصيات الهيكلية الصادرة عن مجلس الاستقرار المالي (FSB) التابع لمجموعة العشرين، إلى أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يفرض حتمية التخلي عن المقاربة الأحادية القائمة على السياسة النقدية المنفردة.
وتؤكد هذه المؤسسات الدولية أن مواجهة تضخم العرض تتطلب الانتقال نحو صياغة إطار تنسيقي جامع يدمج السياسات النقدية والمالية معاً، ضمن استراتيجية شاملة متعددة المحاور تستهدف معالجة الاختلالات الهيكلية في بيئة الإنتاج العالمية، وليس فقط تبريد الأسواق الائتمانية.
ويتطلب المحور الأول تبني السياسة المالية الموجهة، فبدلاً من تقديم دعم مالي عام يزيد من حدة التضخم، يجب على الحكومات توجيه الدعم بشكل دقيق للفئات الأكثر تضرراً من قفزات أسعار الطاقة والغذاء، مع فرض ضرائب استثنائية على الأرباح غير المتوقعة لشركات الطاقة الكبرى.
ويتمثل المحور الثاني في الاستثمار المباشر في مرونة العرض، حيث يتطلب كبح تضخم الطاقة والإنتاج بشكل مستدام ضخ استثمارات ضخمة وفورية في البنية التحتية للطاقة المتجددة، وتوطين الصناعات الحيوية، وتنويع الممرات اللوجستية لتقليل الاعتماد على النطاقات الجيوسياسية المضطربة.
وأخيراً، تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية متعددة الأطراف، إذ تظل التهدئة السياسية وحماية الممرات البحرية الدولية هي الأداة الأسرع والأكثر فاعلية لخفض أسعار السلع الأساسية وتكاليف الشحن والتأمين العالمي.
وفي ضوء الحقائق السابقة، يتضح أن رفع أسعار الفائدة في بيئة اقتصادية تهيمن عليها الصدمات الجيوسياسية هو بمثابة أهون الشرين؛ فالبنوك المركزية تدرك تماماً كلفة الركود والتباطؤ، لكنها تخشى سيناريو أكثر رعباً، وهو فقدان السيطرة تماماً على العملة وتدمير مدخرات الشعوب.
وستبقى الأسواق العالمية تسير على حبل مشدود بانتظار حلول جذرية لأزمات الجغرافيا السياسية، إذ إن السياسة النقدية يمكنها ضبط إيقاع المال، لكنها لا تملك في النهاية مفاتيح السلم والحرب.