نيبال جراء الفيضانات (أ ف ب)
نيبال جراء الفيضانات (أ ف ب)
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 / 22:34

ديون الدول.. قواعد جديدة ترسم حدود الاقتراض وتمويل المشاريع التنموية

دخل ملف ديون الدول الفقيرة مرحلة جديدة بعدما أقرّ البنك الدولي وصندوق النقد إصلاحات لإطار استدامة الديون للدول منخفضة الدخل، في أول مراجعة رئيسية منذ 2017.

ويأتي القرار في وقت أصبحت فيه خريطة التمويل أكثر تعقيداً، مع ارتفاع مستويات الدين، وزيادة الاعتماد على الاقتراض المحلي والخارجي بشروط تجارية، مقابل تراجع المساعدات الإنمائية وارتفاع احتياجات الاستثمار والمناخ. ومن المنتظر أن يبدأ تطبيق الإطار الجديد في النصف الثاني من 2027. 

وبحسب آخر بيانات صندوق النقد الدولي، بلغ الدين الحكومي إجمالي 95.3% من الناتج المحلي في 2026، مقارنة بـ93.9% في 2025، على أن يصل 100% في 2029.

وبحسب بيان مشترك بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تكمن أهمية الإصلاح في أن إطار استدامة الديون ليس مجرد أداة إحصائية، بل يدخل في قرارات الاقتراض والإقراض وإعادة هيكلة الديون وتحديد حجم التمويل الذي تستطيع الدولة تحمله.

وأكد صندوق النقد أن الإطار الحالي نجح منذ مراجعة 2017 في رصد حالات ضائقة الديون مبكراً، لكنه يحتاج إلى التطوير لمواكبة التحولات في مصادر التمويل والمخاطر الجديدة. 

وأوصى بإجراء تغييرات في مجالات منها تحسين تحليل الديون المحلية وتوسيع نطاق تحليل التحديات التنموية طويلة الأجل مثل تغير المناخ.

وقال صندوق النقد الدولي في بيان له، إنه سيعمل مع البنك الدولي على تعزيز أدوات واختبارات التحمل المستخدمة لضمان اتساق التوقعات ودقتها، مع تشجيع البلدان على تحسين شفافية البيانات المتعلقة بالديون.

وواصل: "تهدف مراجعة إطار استدامة الديون لعام 2006 إلى ضمان جاهزية الإطار للمستقبل والتأكد من ملاءمته للغرض المنشود مع استمرار تطور مخاطر الديون وأنماط التمويل وأدوات التحليل".

معادلة مالية صعبة 

بحسب صحيفة BFM، فإن الدول منخفضة الدخل تواجه معادلة مالية أكثر صعوبة، إذ انخفضت التدفقات المالية الخارجية الصافية إليها بنحو الثلث مقارنة بذروة الفترة بين 2010 و2014، بينما ارتفعت تكلفة الاقتراض الخاص وأصبحت آجال القروض أقصر، وفي الوقت نفسه، تراجعت المساعدات الإنمائية الرسمية إلى نحو 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي للدول منخفضة الدخل، مقارنة بمتوسط 5% خلال 2010-2014، مع توقعات باستمرار التراجع. 

ووفقاً للمصدر ذاته، أصبحت الحكومات مضطرة إلى تمويل جزء أكبر من احتياجاتها من مصادر محلية وتجارية، في وقت تواجه فيه أصلاً ضغوطاً على الموازنات والاحتياطيات.

ويشير صندوق النقد إلى أن ارتفاع الاقتراض المحلي أصبح مصدر قلق جديد، خصوصاً في الدول ذات الاحتياطيات الأجنبية المحدودة والمعرضة لصدمات أسعار السلع والفائدة العالمية وخفض المساعدات. 

تقييم الديون.. ماذا سيغير؟ 

ذكر صندوق النقد الدولي أن الإصلاح سيركز على تحسين قياس القدرة على تحمل الدين، وتوسيع تحليل الدين المحلي، وتعزيز اختبارات التحمل، وإدخال منظور أطول أجلاً للتحديات التنموية والمناخية. كما يسعى إلى تحسين اتساق التوقعات ودقة الاختبارات وتعزيز شفافية بيانات الدين. 

وأكد أن التغيير الأهم هو أن تقييم الدولة لن يركز فقط على سؤال: هل تستطيع الحكومة سداد ديونها؟ بل سيحاول بصورة أفضل قياس المفاضلة بين خدمة الدين وبين احتياجات الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقة والتكيف المناخي.

وواصل: "هذا مهم إذ ستخفض الدول الفقيرة ومحدودة الدخل الإنفاق الاستثماري بصورة حادة لتجنب ارتفاع الدين وتحافظ على مؤشرات مالية أفضل". 

التأثير على المشاريع والبرامج التنموية

وبحسب خبير الاقتصاد عز الدين أقصبي، فإنه بالنسبة للدول الأكثر مديونية، قد يؤدي ارتفاع مخاطر الدين إلى تقليص قدرتها على الاقتراض التجاري، ما يهدد مشاريع البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل.

وأضاف: "لكن الإصلاح الجديد يمكن أن يكون إيجابياً إذا دفعت المؤسسات الدولية إلى توجيه المنح والقروض شديدة التيسير إلى الدول التي تحتاج إلى استثمارات ضرورية ولا تستطيع تحمل تكلفتها التجارية".

من جانبه، أكد محسن شكري أستاذ العلوم الاقتصادية، أن  إدخال تحديات المناخ والتنمية طويلة الأجل في التحليل والتصنيف الجديد يمكن أن يساعد على التمييز بين دين يمول استثماراً منتجاً ودين يمول نفقات لا تولد عائداً اقتصادياً. 

وشدد على أن المشكلة ليست حجم الدين وحده، وإنما وظيفته وتكلفته وعائده وتأثيره في النمو، لذلك فإن التحدي أمام البنك الدولي وصندوق النقد والدول المقترضة خلال المرحلة المقبلة سيكون تحقيق توازن دقيق بين الانضباط المالي وعدم الوقوع في أزمة ديون من جهة، والحفاظ على الاستثمارات الضرورية للنمو والتنمية من جهة أخرى.

خارطة الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل 

وفقاً لتصنيف البنك الدولي للسنة المالية 2027، تبدأ الدول منخفضة الدخل عند دخل قومي للفرد 1175 دولاراً أو أقل، بينما تمتد شريحة الدخل المتوسط الأدنى من 1176 إلى 4635 دولاراً، والمتوسط الأعلى من 4636 إلى 14 ألفاً و375 دولاراً، وما فوق ذلك يصنف دخلاً مرتفعاً. 

وصنفت المؤسستان الماليتان الدول  الفقيرة ومتوسطة الدخل إلى 4 فئات رئيسية مع وضع آلية جديدة لاستفادتها من التمويلات والقروض:

1- دول منخفضة الدخل ومرتفعة مخاطر الدين: الأولوية للمنح وإعادة الهيكلة والتمويل شديد التيسير، مع تجنب القروض التجارية الجديدة.

2- دول منخفضة الدخل ومتوسطة المخاطر: تمويل ميسر لمشاريع ذات عائد اقتصادي واضح، مع تحسين الإيرادات وإدارة الدين وإطالة آجال الاستحقاق.

3- دول منخفضة الدخل ومنخفضة المخاطر: لديها مساحة أكبر للاقتراض، لكن ينبغي توجيه الدين إلى مشاريع ترفع الإنتاجية والنمو والإيرادات.

4- دول متوسطة الدخل: لا يكفي فيها معيار الدخل، بل يجب تقييم الدين العام، تكلفة خدمته، الدين المحلي والخارجي، الاحتياطيات، آجال الاستحقاق والقدرة على الوصول إلى الأسواق.