خلال لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع ممثلي الشركات الأمريكية (سانا)
خلال لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع ممثلي الشركات الأمريكية (سانا)
الخميس 24 سبتمبر 2026 / 17:19

من العقاب إلى الاستثمار.. سوريا تفتح صفحة جديدة مع أمريكا

تتحرك دمشق لجذب الشركات الأمريكية إلى السوق السورية بعد رفع العقوبات، مع التركيز على قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية. ويأتي لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع أعضاء من غرفة التجارة الأمريكية وممثلي شركات كبرى في نيويورك، ضمن سلسلة تحركات لفتح قنوات الاستثمار والتجارة بين البلدين.

الوصول إلى هذه المرحلة جاء بعد سنوات من قيود حدّت بشدة من قدرة الشركات الأجنبية على التعامل مع الاقتصاد السوري، وكانت العقوبات الأمريكية في مقدمتها، قبل أن تبدأ واشنطن تفكيك منظومة العقوبات تدريجياً، بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

سرد زمني للعقوبات 

تعود العقوبات الأمريكية على سوريا إلى 1979، مع إدراج دمشق على قائمة الدول الراعية للإرهاب، قبل أن تتوسع منذ 2011 لتشمل أفراداً وكيانات وقطاعات اقتصادية، رداً على قمع الاحتجاجات، وصولاً إلى دخول "قانون قيصر" حيز التنفيذ في 2020، موسعاً نطاق العقوبات ليشمل أشخاصاً وكيانات أجنبية تنخرط في معاملات أو أنشطة محددة مع الحكومة السورية أو قطاعات من الاقتصاد السوري.

وشكلت هذه القيود، إلى جانب العقوبات الأوروبية وغيرها، عائقاً أمام تدفق الاستثمارات والتجارة والتمويل إلى سوريا، ورفعت مخاطر التعامل مع السوق السورية بالنسبة إلى الشركات والمؤسسات المالية الأجنبية. ما انعكس سلباً على حياة المواطنين وأسعار السلع الأساسية والمستلزمات الطبية. 

الشرع يبحث فرص الاستثمار في سوريا مع كبرى الشركات الأمريكية - موقع 24عقد الرئيس السوري أحمد الشرع، اجتماع مائدة مستديرة مع عدد من أعضاء غرفة التجارة الأمريكية وممثلين عن كبرى الشركات الأمريكية، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

تفكيك قيصر

ومع سقوط النظام السابق، بدأ المسار يتغير تدريجياً، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مشاركته في منتدى الاستثمار السعودي-الأمريكي في الرياض في مايو (أيار) 2025، رفع العقوبات المفروضة على الحكومة الانتقالية السورية، وفي يونيو (حزيران) من العام نفسه، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً أنهى برنامج العقوبات الأمريكية الشاملة على سوريا، مع الإبقاء على عقوبات تستهدف بشار الأسد وبعض المسؤولين السابقين والمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان والإرهاب وتجارة المخدرات.

ثم أُلغي قانون قيصر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وأزيل اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في خطوة منفصلة، ما أتاح مجالاً أوسع للتعامل الاقتصادي مع السوق السورية.

مرحلة جديدة

يقول محلل أسواق المال في سوريا سامر حسن لـ"24" إن "اجتماع الرئيس أحمد الشرع مع أعضاء من غرفة التجارة الأمريكية وممثلي الشركات الكبرى يمكن أن يسهم في تسريع تغيير سياسات الشركات تجاه سوريا".

ويضيف أن "بعض الشركات الكبرى لا تزال تتعامل بحذر مع السوق السورية، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، رغم إزالة القيود القانونية التي كانت تمنع التعامل معها".

ويشير حسن إلى أن "استمرار هذا الحذر يرتبط بسياسات الشركات وإجراءات إدارة المخاطر لديها، وليس فقط بالقيود الحكومية الأمريكية:، موضحاً أن الشركات قد "تحتاج إلى إعادة تقييم السوق والفرص المتاحة قبل اتخاذ قرارات استثمارية أو تشغيلية".

وبحسب حسن، فإن الاجتماعات المباشرة بين الشركات والمسؤولين السوريين قد تساعد في "تقليص حالة عدم اليقين"، خاصة مع سعي دمشق إلى تقديم صورة أوضح عن البيئة الاستثمارية، والقطاعات التي تحتاج إلى رأس المال والخبرات الأجنبية.

ويرى أن "دخول عدد من الشركات الأمريكية الكبرى إلى السوق السورية، يمكن أن يشجع شركات أخرى على دراسة فرص مماثلة، خاصة في القطاعات التي تتطلب استثمارات كبيرة وتكنولوجيا وخبرات متخصصة".

ويوضح: "تحولت سوريا من العقوبات إلى الاستثمار، وستكون قادرة على جذب الاستثمارات عبر مختلف القطاعات، خاصة قطاعات الاتصالات والبنية التحتية الخاصة بها والتكنولوجيا والطاقة"، ويضيف "السوق السورية مفتوحة أمام العالم الآن".

وأدت العقوبات الاقتصادية على سوريا إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بأكثر من 70% مقارنة بمستويات ما قبل عام 2011، حيث هبط من نحو 67.5 مليار دولار في عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي. 

وتُقدّر الأضرار والخسائر التراكمية الشاملة للبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية بما يتجاوز 600 مليار دولار وذلك في آخر إحصاء عام 2024.

وتراجعت قيمة الصادرات السورية من 9 مليارات دولار سنوياً إلى أقل من مليار دولار.  

وفقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي منذ 2011 حيث كان سعر الصرف يتراوح عند 47 ليرة للدولار مقارنة بمستويات تتجاوز 13,000 إلى 14,000 ليرة للدولار خلال عامي 2023 و2024، بحسب تقرير البنك الدولي.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، قال خلال مشاركته في منتدى الاعلام العربي بدبي مؤخراً، "إن بلاده تشهد تحولاً اقتصادياً يستهدف الانتقال من نظام وصفه بأنه "أشبه بالنظام الاشتراكي"، إلى نظام متحرر يدعم القطاع الخاص والاقتصاد الحر، مشيراً إلى أن حجم الاقتصاد السوري سجل نحو 32 مليار دولار في 2025، وسط توقعات بوصوله إلى نحو 50 مليار دولار في 2026 وإلى 4 أمثال هذا الرقم خلال ما بين 5 إلى 10 سنوات".