الأحد 27 سبتمبر 2026 / 13:27

الذكاء الاصطناعي.. جبال من النفايات وشهية مفتوحة للطاقة والمياه

تتسارع طفرة الذكاء الاصطناعي حول العالم، مدفوعة باستثمارات بمئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية، لكن الوجه الآخر لهذه الثورة التكنولوجية بدأ يثير مخاوف متزايدة بشأن كلفتها البيئية، من تراكم النفايات الإلكترونية إلى استهلاك الكهرباء والمياه والضغط على سلاسل توريد المعادن الحيوية.

وحذرت "شبكة بازل للعمل" (منظمة رقابية متخصصة في النفايات الخطرة والتجارة الدولية)، من أن التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة هائلة في كمية الأجهزة والمعدات الإلكترونية التي يجري التخلص منها خلال العقود المقبلة. ويعني ذلك أن السباق العالمي لبناء مراكز البيانات لا يرفع الطلب على الكهرباء والمياه فحسب، وإنما ينشئ دورة متسارعة من شراء المعدات واستبدالها والتخلص منها.

مشكلة عالمية تتفاقم

وتحذر "شبكة بازل للعمل" من أن جزءاً من المخلفات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي يحتوي أيضاً على مواد كيميائية شديدة الثبات في البيئة، ومن بينها مركبات "PFAS" التي تُعرف أحياناً باسم "المواد الكيميائية الأبدية".

وتأتي التحذيرات في وقت يعاني فيه العالم بالفعل أزمة متنامية في النفايات الإلكترونية. وبحسب تقرير "Global E-waste Monitor 2024" الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات ومعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث، أنتج العالم 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية في 2022، لكن 22.3% فقط منها جُمعت وأعيد تدويرها بصورة موثقة وفق أساليب سليمة بيئياً.

ويتوقع التقرير ارتفاع النفايات الإلكترونية العالمية إلى 82 مليون طن سنوياً بحلول 2030 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

الذكاء الاصطناعي يفرض أعباءً بمليار دولار على شركات التأمين الصحي - موقع 24أظهرت دراسة أجراها اتحاد (بلو كروس بلو شيلد) لشركات التأمين، ومقره الولايات المتحدة، ونشرت اليوم الخميس، أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أدى إلى ارتفاع الإنفاق في قطاع الصحة لشركات التأمين بقرابة مليار دولار على مدى عامين، مع توسع مقدمي الرعاية الصحية في المطالبة بمقابل خدمات مرتبطة بحالات مرضية ...

معادن ثمينة داخل الخردة

وتكشف أزمة النفايات الإلكترونية عن مفارقة اقتصادية أخرى. فالأجهزة التي تتحول إلى خردة تحتوي على كميات من المعادن والمواد ذات القيمة الاقتصادية، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على بعض هذه الموارد بفعل التحول الرقمي والطاقة النظيفة.

وقدرت "الأمم المتحدة" القيمة الاقتصادية للمعادن الموجودة في النفايات الإلكترونية المنتجة عالمياً في 2022 بنحو 91 مليار دولار، بينها النحاس والذهب والحديد.

لكن ضعف عمليات الجمع وإعادة التدوير يعني فقدان جانب كبير من هذه القيمة، إلى جانب الأضرار البيئية المحتملة الناتجة عن التخلص غير السليم من الأجهزة.

شهية هائلة للكهرباء

لا تتوقف البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي عند نهاية العمر الافتراضي للأجهزة. فمراكز البيانات التي تستضيف نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات ضخمة ومتواصلة من الكهرباء لتشغيل الخوادم وأنظمة التخزين والشبكات، إضافة إلى الطاقة اللازمة لتبريد المعدات.

وتقدر "وكالة الطاقة الدولية" أن مراكز البيانات استهلكت 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء عالمياً في 2024، ما يعادل 1.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي.

وتتوقع الوكالة أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030، أي أكثر من الضعف، مع اعتبار الذكاء الاصطناعي المحرك الأهم لهذه الزيادة.

وتبدو الضغوط أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة، وقدر مختبر "لورانس بيركلي" الوطني التابع لـ"وزارة الطاقة الأمريكية"، أن مراكز البيانات استحوذت على 4.4% من استهلاك الكهرباء الأمريكي في 2023، ورجح أن ترتفع حصتها إلى 6.7% و12% بحلول 2028.

بعد تسريب واختراق.. "OpenAI" توقف أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي - موقع 24أوقفت شركة "OpenAI"، المبتكرة لبرنامج "تشات جي بي تي"، العمل المتعلق بأكثر نماذج الذكاء الاصطناعي لديها قدرة، بعد أن تجاوز أحد أنظمتها قيود الإنترنت وتواصل مع روبوت محادثة خارجي أثناء أحد الاختبارات.

المياه تدخل المعادلة

ولا تقتصر المشكلة على الكهرباء، إذ تحتاج بعض مراكز البيانات إلى كميات كبيرة من المياه لأغراض التبريد، كما توجد بصمة مائية غير مباشرة مرتبطة بإنتاج الكهرباء نفسها.

ومع التوسع السريع في بناء مراكز البيانات، أصبحت مسألة المياه أكثر حساسية، خصوصاً عندما تقام المنشآت في مناطق تعاني ضغوطاً على الموارد المائية أو تتنافس فيها المراكز مع الاستخدامات السكنية والزراعية والصناعية.

ولهذا فإن تقييم الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يقتصر على الطاقة المستهلكة أثناء تشغيل النموذج، بل يحتاج إلى احتساب دورة الحياة الكاملة للبنية التحتية: تصنيع الرقائق والمعدات، وبناء مراكز البيانات، واستهلاك الكهرباء والمياه أثناء التشغيل، ثم إعادة الاستخدام أو التدوير والتخلص من المعدات في نهاية عمرها.

ماسك يضاعف عدد شرائح "إنفيديا" في "كولوسوس 2" نهاية العام - موقع 24قال الملياردير الأمريكي إيلون ماسك إن مركز بيانات الذكاء الاصطناعي "كولوسوس 2" الذي تقيمه شركة "إكس.إيه.آي" التابعة له، قد يضاعف عدد رقائق الذكاء الاصطناعي التي تنتجها إنفيديا كورب لديه بنهاية العام الحالي.

كيف يمكن تقليل المخاطر؟

دفعت هذه الضغوط إلى تصاعد الدعوات لتطبيق مبادئ "الاقتصاد الدائري" على البنية التحتية الرقمية، بحيث لا ينتهي عمر الخادم أو الرقاقة بمجرد استبدالهما بمعدات أحدث.

وتشير "وكالة الطاقة الدولية" إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين كفاءة أنظمة الطاقة وتسريع الابتكار، ما يعني أن القضية ليست في استخدام التقنية بحد ذاته، وإنما في كيفية إدارة توسعها والبنية التحتية الهائلة التي تقف وراءها.

كما تشمل الحلول:

  • رفع كفاءة مراكز البيانات والرقائق
  • وزيادة الشفافية بشأن استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات والنفايات
  • توجيه إنشاء مراكز البيانات إلى مواقع تستطيع شبكات الكهرباء والموارد المائية فيها تحمل الطلب الإضافي.

ومع تسارع السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي، يتزايد التحدي أمام الحكومات وشركات التكنولوجيا الاستفادة من مكاسب التقنية دون السماح بأن تتحول ثورتها الرقمية إلى عبء متزايد على شبكات الكهرباء والموارد المائية والبيئة.