عمليات بناء مستمرة في مركز بيانات بأمريكا (رويترز)
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 / 17:06
اتسع العجز التجاري الأمريكي خلال أغسطس (آب) الماضي إلى أعلى مستوى منذ مارس (آذار) 2025، مع ارتفاع الواردات إلى مستوى قياسي، مدفوعة بزيادة مشتريات النفط والذهب وأشباه الموصلات، فيما أصبحت طفرة الاستثمار في مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي عاملاً متزايداً في الطلب على المعدات والمكونات المستوردة.
وتظهر بيانات مكتب التحليل الاقتصادي ووزارة التجارة الأمريكية، أن العجز في تجارة السلع والخدمات ارتفع 13.7% إلى 105.6 مليارات دولار في أغسطس (آب)، مقابل 92.8 مليار دولار في يوليو (تموز) الماضي، بعدما زادت الواردات 4.3% إلى مستوى قياسي بلغ 420.8 مليار دولار، مقابل نمو الصادرات 1.4% إلى 315.2 مليار دولار.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" بلغ العجز مستويات مرتفعة في مارس (آذار) 2025، مدفوعاً بتسارع الشركات إلى استيراد السلع في بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استباقاً للرسوم الجمركية الجديدة.
طفرة الذكاء الاصطناعي
يكشف الارتفاع الحالي عن عامل جديد، يتمثل في الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتفيد "وول ستريت جورنال"، بأن واردات الولايات المتحدة من أشباه الموصلات وأجهزة الكمبيوتر وملحقاتها ارتفعت بنحو 234 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تسارع الإنفاق على مراكز البيانات.
وتؤكد بيانات أغسطس (آب) الماضي هذا الاتجاه، إذ ذكرت "رويترز" أن واردات السلع الرأسمالية قفزت بمقدار 6.2 مليارات دولار إلى مستوى قياسي بلغ 146.4 مليار دولار، مدفوعة بأشباه الموصلات والآلات الصناعية.
ويقول براد سيتسر، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية، لـ"وول ستريت جورنال": إن "الإنفاق على مراكز البيانات دفع العجز إلى مستويات مرتفعة لم تتجاوزها أخيراً سوى المستويات المسجلة عندما سارعت الشركات إلى استباق الرسوم في 2025"، لافتاً إلى أن الإلكترونيات ظلت إلى حد كبير مستثناة من رسوم إدارة ترامب.

مفارقة الرسوم
يبرز اتساع العجز مفارقة أمام السياسة التجارية الأمريكية، ففي الوقت الذي تستخدم فيه إدارة ترامب الرسوم لتقليص الاعتماد على الواردات وتشجيع التصنيع المحلي، يدفع سباق الذكاء الاصطناعي الشركات الأمريكية إلى استيراد مزيد من الرقائق والمعدات لتوسيع قدراتها الحاسوبية.
ولا يزال العجز منذ بداية العام أقل من 2025، إذ تظهر البيانات الرسمية أن عجز تجارة السلع والخدمات انخفض خلال الأشهر الثمانية الأولى بنحو 138.2 مليار دولار، أو 19.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع نمو الصادرات 11.8% مقابل زيادة الواردات 4.4%.
ولم تكن التكنولوجيا وحدها وراء ارتفاع الواردات، إذ أفادت "رويترز" بزيادة واردات السلع والمواد الصناعية 9.1 مليارات دولار، بينها 3.3 مليارات دولار للنفط الخام ، و3.1 مليارات للذهب غير النقدي.
كما ارتفعت واردات الخام من كندا بأكثر من 8 ملايين برميل، ما ساهم في ارتفاع العجز التجاري مع كندا إلى 7.1 مليارات دولار من 3 مليارات في يوليو (تموز) الماضي، وفق "وول ستريت جورنال".

ضغط على النمو
في المقابل، ارتفعت الصادرات الأمريكية بوتيرة أبطأ من الواردات، رغم زيادة صادرات النفط الخام وزيت الوقود بنحو 3.2 مليارات دولار وسط ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب أسواق النفط العالمية.
وتتجاوز تداعيات اتساع العجز قطاع التجارة. فبحسب "رويترز"، يقدر اقتصاديون أن التجارة قد تقتطع ما يصل إلى 2.5 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث، فيما خفض اقتصاديون في "غولدمان ساكس" تقديراتهم للنمو إلى 3.1% من 3.4%.
ويضيف اتساع العجز بعداً آخر إلى الضغوط التضخمية، إذ يرى اقتصاديون أن استمرار الطلب القوي على السلع الأجنبية يعكس مستوى مرتفعاً من الطلب داخل الاقتصاد، بالتزامن مع ضغوط أسعار الطاقة، ما قد يزيد صعوبة مهمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في احتواء التضخم.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل التجارة
تكشف بيانات التجارة عن جانب مختلف من طفرة الذكاء الاصطناعي، فالاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات تدعم إنفاق الشركات والنشاط الاقتصادي داخل الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تزيد الطلب على الرقائق وأجهزة الكمبيوتر والمعدات المستوردة.
وتشير أرقام أغسطس (آب) الماضي إلى أن هذه العلاقة قد تصبح أكثر أهمية مع استمرار بناء مراكز البيانات، إذ بات سباق الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع التكنولوجيا الأمريكي فحسب، بل يمتد أثره إلى التجارة الخارجية والنمو والتضخم والسياسة النقدية.