أزمة نقص المياه في تونس (أ ف ب)
أزمة نقص المياه في تونس (أ ف ب)
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 / 18:24

الكهرباء والمياه والدولار.. أزمات تعمّق الضغوط على اقتصاد تونس

تواجه تونس ضغوطاً اقتصادية متزامنة، مع أزمات الكهرباء والمياه وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي، بالتزامن مع تخطي الدولار مستوى 3 دنانير مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ما يزيد الضغوط على كلفة الواردات، وفي مقدمتها الطاقة والمواد الأولية.

وتأتي الأزمة بينما تعمل الحكومة التونسية على إعداد مشروع موازنة 2027، الذي يضع الأمن المائي والطاقي واستقرار سعر صرف الدينار ضمن أولوياته، إلى جانب السيطرة على التضخم والعجز والوفاء بالتزامات الدين العام.

الحر يكشف أزمة أعمق

شهدت تونس خلال الصيف انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه مع ارتفاع درجات الحرارة والطلب على التبريد. وبحسب وكالة "فرانس برس"، كان صيف 2026 الأكثر حرارة في البلاد منذ بدء تسجيل البيانات عام 1950، بفارق 2.9 درجة مئوية فوق المعدل المناخي للفترة بين 1991 و2020، فيما اقتربت الحرارة من 50 درجة في بعض المناطق.

وأدت موجات الحر إلى ارتفاع حاد في استهلاك الكهرباء، إذ أشارت تقديرات نقلتها "فرانس برس" إلى وصول الطلب إلى مستوى قياسي يقارب 6 آلاف ميغاواط خلال يوليو (تموز) الماضي، ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز "STEG"، إلى تنفيذ عمليات قطع لتخفيف الضغط على الشبكة، بالتزامن مع اضطرابات في إمدادات المياه بعدد من المناطق.

ولا ترتبط الأزمة بموجة الحر وحدها، إذ نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" عن خبراء أن قطاع الكهرباء يعاني نقص الاستثمار في قدرات التوليد، فيما تحد الأوضاع المالية من قدرة البلاد على زيادة واردات الغاز لتلبية الطلب.

ويضيف ذلك بعداً مالياً للأزمة، إذ تعتمد تونس على واردات الطاقة، ما يجعل ارتفاع أسعار النفط والغاز ضغطاً مزدوجاً على الموازنة واحتياطيات العملة الأجنبية.

الكهرباء تضغط على المياه

تنعكس أزمة الطاقة مباشرة على إمدادات المياه، إذ تعتمد أجزاء من منظومة التوزيع على محطات ضخ تعمل بالكهرباء. وتفيد "فرانس برس" بأن انقطاعات الكهرباء خلال الصيف تسببت في تعطيل ضخ المياه في عدد من المناطق، تزامناً مع ارتفاع الاستهلاك بفعل درجات الحرارة القياسية.

ويقدر البنك الدولي الموارد المتجددة المتاحة بنحو 380 متراً مكعباً للفرد سنوياً، وهو مستوى يقل كثيراً عن عتبة الندرة المائية المطلقة. ويحذر البنك من أن استمرار الضغوط المائية دون معالجة، قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي لتونس بنحو 6.4% بحلول 2050، مع تعرض الزراعة والسياحة والصناعات المرتبطة بالمياه لضغوط متزايدة.

وتعمل الحكومة على برنامج أوسع لتعزيز الإمدادات، يشمل حفر وربط آبار عميقة وصيانة محطات الضخ وتجديد شبكات المياه، إلى جانب التوسع في التحلية والمياه غير التقليدية. وتشمل استراتيجية المياه حتى 2050 استثمارات مقدرة بنحو 74.5 مليار دينار، بحسب وكالة تونس أفريقيا للأنباء.

العملة الصعبة تحت الضغط

يتزامن تراجع احتياطيات النقد الأجنبي مع ضغوط على الدينار التونسي، إذ تجاوز الدولار مستوى 3 دنانير في السوق بين البنوك مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، للمرة الأولى منذ مايو (أيار) 2025، مسجلاً نحو 3.0062 دنانير في 5 أكتوبر، وفق بيانات البنك المركزي التونسي.

في الوقت نفسه، تراجع الاحتياطي الصافي من العملة الأجنبية إلى نحو 23.6 مليار دينار، بما يغطي 92 يوماً من الواردات، مقابل 24.2 مليار دينار و104 أيام قبل عام. 

ويزيد ارتفاع الدولار الضغوط على تونس مع ارتفاع كلفة الواردات المسعرة بالعملة الأمريكية، خصوصاً الطاقة والمواد الأولية، في وقت بلغ فيه العجز التجاري للطاقة نحو 8.93 مليارات دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.

اقتصاد ينمو ببطء

تأتي الضغوط في اقتصاد لا يزال يسجل نمواً محدوداً. ووفق أحدث تقديرات البنك الدولي، نما الاقتصاد التونسي 2.4% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، مدعوماً بالزراعة والصناعات الميكانيكية والكهربائية والسياحة.

ويتوقع البنك نمواً بمعدل 2.3% خلال 2026، قبل أن يبلغ متوسط النمو 2.1% في 2027 و2028، وهي معدلات تحد من قدرة الاقتصاد على خلق موارد إضافية بسرعة لمواجهة ارتفاع الإنفاق والاستثمار في البنية التحتية.

كما يظل الدين العام مرتفعاً، فيما تعتمد الحكومة بصورة متزايدة على التمويل المحلي لتغطية احتياجاتها، ما يزيد حساسية السياسة المالية لأي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة أو تراجع في مصادر النقد الأجنبي.

موازنة 2027.. إجراءات استباقية لمواجهة الأزمات

أمام هذه الضغوط، تضع الحكومة التونسية الأمن المائي والطاقي ضمن أولويات مشروع موازنة 2027، إلى جانب الحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار، والسيطرة على التضخم والعجز، وزيادة الاعتماد على الموارد الذاتية، وفق وثيقة لوزارة المالية نقلتها وكالة تونس أفريقيا للأنباء.

وتبني الحكومة الموازنة على متوسط لسعر خام برنت بين 75 و80 دولاراً للبرميل خلال 2027، بالتزامن مع خطط لتطوير شبكات المياه والكهرباء وتسريع المشاريع العامة وإصلاح المؤسسات الحكومية.

وفي ملف المياه، تشمل الخطط التوسع في التحلية وتجديد الشبكات وتحسين كفاءة محطات الضخ، ضمن استراتيجية تستهدف خفض حصة الطاقة من تكلفة إنتاج وتوزيع المياه من 27% في 2025 إلى 17% بحلول 2030.