أحد الإيرانيين المتعرضين لحملة القمع من قبل النظام (رويترز)
الخميس 8 أكتوبر 2026 / 18:10
تواصل السلطات الإيرانية تشديد قبضتها الأمنية على المعارضين داخل البلاد وخارجها، بعد 9 أشهر من احتجاجات أشعلها انهيار العملة المحلية وتدهور الأوضاع المعيشية، في وقت تواجه فيه طهران تداعيات الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل والعقوبات الاقتصادية المتواصلة.
ويكشف تحقيق لوكالة "رويترز"، استند إلى مقابلات مع أكثر من 75 شخصاً من خبراء حقوق الإنسان والمحامين والمواطنين، عن حملة قمع تُعد من الأشد منذ عقود، تشمل الإعدامات والاعتقالات والمحاكمات الجماعية، وتمتد إلى الإيرانيين في الخارج عبر تهديد عائلاتهم وتجميد حساباتهم ومصادرة ممتلكاتهم.
الأزمة الاقتصادية تشعل الاحتجاجات
بدأت الاحتجاجات في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025، عقب انهيار حاد في قيمة الريال الإيراني، دفع تجار بازار طهران الكبير إلى الإضراب، قبل أن تتوسع المظاهرات إلى أكثر من 200 مدينة، وسط غضب شعبي من تراجع القدرة الشرائية وتدهور الظروف المعيشية، بعد سنوات من العقوبات وسوء الإدارة الاقتصادية.
وبحسب وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، أسفرت حملة القمع عن مقتل 6488 متظاهراً وإصابة 25846 آخرين، وهي أرقام لم تتمكن "رويترز" من التحقق منها بشكل مستقل.
وقطعت السلطات الإنترنت والاتصالات خلال ذروة الاحتجاجات في يناير (كانون الثاني) 2026، قبل فرض تعتيم جديد عقب اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، استمر حتى أواخر مايو (أيار) الماضي.

إعدامات ومحاكمات جماعية
وفق "رويترز"، أعدمت السلطات ما لا يقل عن 34 شخصاً على خلفية احتجاجات يناير (كانون الثاني)، مقارنة بإعدام 15 شخصاً مرتبطين باحتجاجات 2022 على مدى 4 سنوات.
وكشفت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية أن أكثر من 10% من بين ما يزيد على 560 عملية إعدام أُعلن عنها حتى منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، طالت سجناء سياسيين، مقابل نسبة تراوحت بين 3% و5% خلال العقود السابقة، وهي تقديرات لم تتحقق منها الوكالة بصورة مستقلة.
وفي أصفهان، أُعدم 7 من أصل 12 شخصاً صدرت بحقهم أحكام بالإعدام في قضية احتجاجات ساحة عليخاني، بينهم اثنان شُنقا علناً، وفق "رويترز".
وقال المحامي سينا يوسفي إن أكثر من 30 محامياً حقوقياً اعتُقلوا خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) لمحاولتهم الدفاع عن المتظاهرين، مشيراً إلى تسريع الإجراءات القضائية وتقليص مهلة الاستئناف إلى النصف.
وأضاف يوسفي "المحاكم، التي تأسست لتحقيق العدالة، تحولت الآن إلى أدوات للقمع.. جميع مؤسسات السلطة تضافرت وتكاتفت للقيام بذلك".

الإعلام أداة للردع
كشفت "رويترز" عن تنسيق بين التلفزيون الرسمي والذراع الإعلامية للسلطة القضائية في نشر الاعترافات المصورة والمحاكمات السياسية، إذ تضمنت البيانات الرسمية مواد مرئية في 32 من أصل 34 قضية إعدام مرتبطة باحتجاجات يناير (كانون الثاني).
وقالت ناهد سيامدوست، الأستاذة المساعدة في الإعلام ودراسات الشرق الأوسط بجامعة تكساس في أوستن: "أصبح التلفزيون الحكومي أكثر تطرفاً، وبات خاضعاً بدرجة أكبر لسيطرة الجناح الأكثر محافظة الذي يخاطب الشريحة الأكثر تشدداً من الإيرانيين، إنهم يأخذون أجزاء من القصة تبدو ذات مصداقية، أو ربما تكون حقيقية بالفعل، ثم يبنون صرحاً كاملاً من مجرد حجر صغير".

القمع يتجاوز الحدود
وثقت "رويترز" ضغوطاً على معارضين إيرانيين في تركيا وأرمينيا وجورجيا، شملت تهديد عائلاتهم وتجميد حساباتهم المصرفية ومصادرة ممتلكاتهم وعرقلة تجديد جوازات سفرهم.
وفي إسطنبول، قالت إيرانية تبلغ 23 عاماً، إن السلطات هددت باعتقال والدتها بسبب منشورات معارضة على إنستغرام، وجمدت حسابها المصرفي الإيراني، كما استدعت السلطات أفراداً من عائلتها ووجهت إليها اتهامات بغسل الأموال.
وأعلنت السلطة القضائية الإيرانية في يونيو (حزيران) الماضي، تحديد ومصادرة ممتلكات مئات الأشخاص بسبب صلات مزعومة بأعداء البلاد، ما يضيف أعباء مالية ومعيشية على العائلات المستهدفة.
وفي جورجيا، يواجه مهندس بترول إيراني خطر الترحيل إلى بلاده، حيث صدر بحقه حكم بالسجن 10 سنوات، بينما رفضت السفارة الإيرانية تجديد جواز سفره، بحسب والده.
وتشير بيانات حكومية إلى ترحيل 95 إيرانياً خلال النصف الأول من 2026، دون أن تتمكن "رويترز" من تحديد مصيرهم.

الحرب تعزز القبضة الأمنية
قال حميد رضا عزيزي، المحلل البارز في الشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية، إن "تصاعد الإجراءات يعود بشكل رئيسي إلى قانون التجسس الجديد الذي أُقر عقب الغارات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو (حزيران) 2025"، موضحاً أن التيار المتشدد ينظر إلى الصراع باعتباره "حرباً هجينة".
وأضاف عزيزي "هم يعتقدون حقاً أن هذه حرب تدور على جبهات مختلفة، وأنه يجب تطبيق التدابير الخاصة بزمن الحرب على جميع هذه الجبهات أيضاً".
ورغم إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل استهداف ما لا يقل عن 17 مركزاً أمنياً وعسكرياً واستخباراتياً، خلصت "رويترز" إلى استمرار قدرة الأجهزة الأمنية الإيرانية على ملاحقة المعارضين.

في موازاة ذلك، كشفت تحقيقات سابقة للوكالة عن استخدام إيران منصات للعملات المشفرة وشبكات مقامرة غير قانونية لجمع عائدات غير مشروعة والالتفاف على العقوبات.
وتضيف الملاحقات المالية والأمنية أعباء على الأسر المستهدفة، في بلد يعاني أصلاً من تدهور العملة والقدرة الشرائية، بعدما تحولت احتجاجات بدأت بمطالب اقتصادية إلى مواجهة سياسية وأمنية واسعة.
ولم ترد البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة على طلب "رويترز" التعليق بشأن نتائج التحقيق.