صورة تعبيرية (pexels)
الإثنين 12 أكتوبر 2026 / 12:45
"أخشى تناول السمك بسبب الإيدز".. بهذه العبارة أثارت وزيرة البيئة العراقية سروة عبد الواحد جدلاً واسعاً بشأن ما يُلقى في نهر دجلة من مخلفات المستشفيات، متحدثة عن بقايا دماء مرضى، بينهم مصابون بأمراض خطيرة مثل الإيدز، تُطرح في المياه من دون معالجة.
وصفت وزيرة البيئة العراقية الوضع البيئي في البلاد بأنه "كارثة بيئية حقيقية"، معلنة التوجه إلى رفع دعاوى قضائية بحق المسؤولين والمتسببين بالتلوث، بمن فيهم جهات حكومية تابعة للبلديات والأمانة والمحافظات والوزارات.
وقالت عبد الواحد في لقاء تلفزيوني، أمس الأحد، إنها أصبحت تخاف وتتردد في شراء الأسماك المستخرجة من الأنهار منذ تسلّمها ملف البيئة، بسبب ما اطلعت عليه من ممارسات تتعلق بالتخلص من النفايات الطبية.
وأضافت الوزيرة أن البيانات الرسمية تشير إلى أن 50% من المياه في العراق غير صالحة للاستخدام، واصفة عدم معالجة هذه المخلفات بأنه "قتل عمد للشعب العراقي".
ونظراً للضجة التي أعقبت التصريح، أصدرت وزارة البيئة العراقية بياناً توضيحياً أشارت فيه إلى أن الإيدز لا ينتقل عبر تناول الأسماك أو شرب المياه أو تناول الأغذية، وأن تحذير الوزيرة جاء في إطار التنبيه إلى التداعيات البيئية والصحية الخطيرة لهذه الممارسات الخطيرة.
محنة المياه العراقية
في الواقع مخاوف الوزيرة العراقية لم تأت من فراغ، فقد كشفت تقارير محلية سابقة عن وجود أكثر من 500 مصدر للتلوث في نهري دجلة والفرات، تشمل مؤسسات في قطاعات الصحة والنفط والصناعة، وتمتد على طول مجرى النهرين من الحدود العراقية وصولاً إلى محافظة البصرة.
وفي يونيو (حزيران) الماضي رصد فريق بيئي متخصص 54 مخالفة وبؤرة تلوث على امتداد نهر الفرات بين الحدود العراقية السورية، خلال مسح اعتمد على تحديد المواقع الجغرافية وصور الأقمار الصناعية.
وشملت المخالفات تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، وإلقاء مخلفات وجثث حيوانات، إلى جانب مخلفات مستشفيات وأحواض أسماك غير مرخصة ومخلفات بناء تعيق تدفق المياه.
وترافقت هذه المخالفات مع خسائر مباشرة في قطاع الأسماك، تُقدّر بمئات الأطنان من الأسماك النافقة في بحيرات متنوعة بمحافظة واسط، بسبب تلوث مياه نهر دجلة.
كما أشارت تقديرات جمعية منتجي الأسماك العراقية إلى خسائر تراوحت بين 1000 و1200 طن، مع تضرر 95% من الأقفاص السمكية العائمة في الكوت، وتسجيل حالات إضافية في محافظة ميسان.
وتتراوح التقديرات الأوّلية للخسائر المادية لنفوق الأسماك في إحدى المناطق بين ثلاثة وخمسة مليارات دينار عراقي، مع وجود احتمالات بارتفاعها عند احتساب خسائر مربي الأسماك والأعلاف وفرص العمل المرتبطة بهذا القطاع.
من يتحمل الخسائر؟
تتزامن هذه الأزمة مع وفرة ملحوظة في المعروض من الأسماك المحلية، حيث أعلنت وزارة الزراعة العراقية عن تسجيل دائرة الثروة الحيوانية إنتاج 1,549,700 سمكة خلال المواسم الثلاثة الماضية (2023–2025).
ومع ذلك تتزايد المخاوف من انعكاس تلوث نهر دجلة على الاقتصاد المحلي، لأنه سيؤدي إلى تراجع ثقة المستهلكين بالمنتج العراقي. وفي حال التوجه نحو الأسماك المستوردة أو البدائل الأكثر أماناً، سيواجه الصيادون وأصحاب المزارع صعوبة في تسويق إنتاجهم، ما قد يضطرهم لخفض الأسعار أو تكبد خسائر ناتجة عن تلف الأسماك سريعاً.
وما يفاقم الوضع أن سوق الأسماك كان يعاني أصلًا من خلل في ربحيته، حيث أظهرت تقارير في يونيو (حزيران) أن الكيلوغرام يُباع بـ 4500 دينار، بينما كلفته تصل إلى 6000 دينار، أي بفارق خسارة يبلغ 1500 دينار في الكيلوغرام دون حساب المصاريف الأخرى.
وفي ظل هذا العزوف المحتمل عن الإنتاج المحلي، يرجح أن تجد الأسماك المستوردة طريقها بسهولة لملء الفراغ بالسوق، لا سيما أن العراق كان قد استورد بالفعل أسماكاً ومنتجات مائية بقيمة 65.9 مليون دولار في 2024، ما يمنحها قاعدة قوية للاستحواذ على حصة أكبر.

تدخل حكومي عاجل
في نهاية سبتمبر (أيلول) 2026، وصفت وزيرة البيئة العراقية الوضع البيئي في البلاد بأنه "كارثة بيئية حقيقية"، معلنة التوجه إلى رفع دعاوى قضائية بحق المسؤولين والمتسببين بالتلوث، بمن فيهم جهات حكومية تابعة للبلديات والأمانة والمحافظات والوزارات.
وأشارت إلى عدم استجابة بعض الجهات لمطالبات الوزارة بمعالجة التلوث، مطالبة بتشديد العقوبات على المخالفين.
ونظراً لتفاقم الوضع بين المؤسسات، أقرّت اللجنة الوطنية العليا للمياه، برئاسة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، سلسلة إجراءات لمعالجة الملف المائي حظي فيها نهر ديالى بأولوية معالجة التلوث ومحاسبة المتسببين فيه.
وأدرجت اللجنة، في الأسبوع الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، تقييم السدود كأولوية قصوى ضمن الخطة الاستثمارية لوزارة الموارد المائية مع رصد الميزانية المطلوبة.
كما اعتمدت اللجنة توصيات حماية نهري دجلة والفرات لتسهيل تمويل حزمتها الأولى، مع إلزام المحافظات بنصب وتشغيل محطات معالجة الصرف الصحي تحت إشراف وزارة البيئة، وتفعيل دور المجتمع المدني في التوعية البيئية.