في وقت تتأهب فيه أسواق المال العالمية لاستقبال أكبر موجة اكتتابات عامة في التاريخ، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة السوق الصاعدة على الصمود أمام هذه الطروحات العملاقة. وبينما يسود القلق أروقة "وول ستريت" يبدو أن إدراج شركات مثل "سبيس إكس" و "أوبن.إيه.آي"و "أنثروبيك" لن يؤدي إلى انفجار "فقاعة" السوق الحالية.

ويرى المستثمر الأمريكي مايكل بوري، المعروف بتوقّعه المبكر لأزمة الرهن العقاري عام 2008، أن الطروحات العامة الضخمة المرتقبة للشركات لن تكون كفيلة بإنهاء موجة الصعود الحالية في أسواق الأسهم الأمريكية، رغم التحذيرات المتزايدة من تداعياتها المحتملة على السيولة واتجاهات السوق، بحسب تقرير لصحيفة "فاينانشل تايمز".

السرديات أقوى من العرض

وتأتي تصريحات بوري في وقت تواصل فيه المؤشرات الأمريكية الرئيسية تسجيل مستويات قياسية، مدفوعة بالنمو القوي في قطاع التكنولوجيا وتصاعد الحماسة الاستثمارية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، حذّر مقدم البرامج الاقتصادية في شبكة "سي.أن.بي.سي" جيم كرامر من مؤشرات "مضاربات مفرطة" في سوق الاكتتابات العامة، مع اقتراب الطروحات المرتقبة لعمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وكان كبير الاستراتيجيين في شركة "رينايسانس كابيتال" مات كينيدي  صرّح بأن الطرح المحتمل لشركة "سبيس إكس" قد "يمتص الأكسجين من السوق"، في إشارة إلى استحواذه على جانب كبير من السيولة والاهتمام الاستثماري.

وقال بوري، خلال نقاش عبر منصة "سابستاك"، رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت هذه الاكتتابات العملاقة قد تشكل ذروة السوق الصاعدة الحالية: "لا أعتقد أنها ستحدث هذا الأثر".

وأضاف أن التأثير النفسي والسرديات الاستثمارية سيكونان أكثر أهمية من الاعتبارات الفنية المرتبطة بحجم المعروض من الأسهم، موضحاً "لو كانت هذه الشركات ستطرح حصصاً كبيرة فعلاً للاكتتاب العام، فقد يؤثر ذلك من زاوية العرض في الاتجاهات الفنية للسوق. لكن الاكتتابات تُنفذ عادة عبر طرح نسبة محدودة فقط من الأسهم لتحقيق قفزة سعرية كبيرة، وبالتالي يكون الأثر الفعلي على السوق محدوداً".

انقسام حاد في وول ستريت

وتتعارض رؤية بوري مع آراء عدد من المشاركين في "وول ستريت"، الذين يرون أن موجة الطروحات العملاقة قد تؤدي إلى استنزاف السيولة من بقية السوق، كما قد تعكس وصول شهية المستثمرين إلى مستويات مبالغ فيها.

وكان جيم كرامر أشار الأسبوع الماضي إلى أن طرح "سبيس إكس" قد يخلق "فقاعة خاصة به"، موضحاً أن الشركة قد تصل إلى تقييم يتجاوز 5 تريليونات دولار إذا طرحت جزءاً محدوداً فقط من أسهمها للتداول.

كما حذّر كرامر من أن الإدراجات المرتقبة لشركتي "أوبن.إيه.آي" و " أنثروبيك" قد تزيد الضغط على الأسواق الأوسع نطاقاً، مؤكداً أن "السوق، مثل أي سوق أخرى، تقوم على العرض والطلب، وعندما يرتفع المعروض بصورة مفرطة تتعرض السوق للاهتزاز".

من جانب آخر، يرى محللون أن التأثيرات المحتملة لهذه الطروحات لن تقتصر على السوق الأمريكية وحدها، بل قد تمتد إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك الأسواق الآسيوية والناشئة، نتيجة إعادة توجيه المستثمرين لسيولتهم نحو الاكتتابات الجديدة.

 رسم خارطة الأسواق

وفي هذا السياق، قال كبير مسؤولي الاستثمار في شركة "جينغشي لإدارة الاستثمارات" في شنغهاي وانغ تشنغ، إن ظروف السيولة قد تصبح أكثر صعوبة بالنسبة لأسواق الاكتتابات العامة، بما في ذلك سوق هونغ كونغ، مع تركيز المستثمرين العالميين على الاكتتاب المرتقب لـ"سبيس إكس".

ويُنظر إلى الطرح المحتمل لـ"سبيس إكس" باعتباره الأكبر في التاريخ، متجاوزاً الطرح القياسي الذي نفذته شركة "أرامكو السعودية" عام 2019. وتشير تقارير إلى أن الشركة حققت إيرادات بلغت 18.67 مليار دولار خلال عام 2025، فيما سجلت إيرادات بقيمة 4.69 مليارات دولار خلال الربع الأول من عام 2026.

كما أفادت تقارير بأن "أوبن إيه آي" تعمل على التمهيد لطرح عام محتمل قد يبدأ في أقرب وقت خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، وسط تقديرات تقترب من تريليون دولار لقيمتها السوقية، في حين ارتفعت التقييمات غير الرسمية لشركة "أنثروبيك" إلى نحو 1.2 تريليون دولار، مع حديث عن إمكانية إدراجها في الأسواق بحلول نهاية عام 2026.

وفي ختام الصحيفة تقريرها، أشارت إلى استمرار الزخم الإيجابي في الأسواق الأمريكية، حيث واصلت الصناديق المرتبطة بمؤشرات "إس.آند.بي.500" و "ناسداك" و "داو جونز" تحقيق مكاسب وسط تفاؤل قوي من المستثمرين الأفراد تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي.