حذّر مسؤولون حاليون وسابقون من أن استقلالية البنوك المركزية تتعرض مجدداً لضغوط متزايدة، في ظل تصاعد التدخلات السياسية، وتزايد الأعباء الاقتصادية المرتبطة بمكافحة التضخم، ما يهدد قدرتها على كبح ارتفاع الأسعار والحفاظ على استقرار الأسواق.

ويأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه الاقتصادات العالمية موجة جديدة من التضخم، تفاقمت بفعل ارتفاع أسعار الطاقة عقب الحرب في إيران، الأمر الذي دفع العديد من البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، أو تأجيل خفضها المخطط له، بهدف منع ترسخ الصدمة التضخمية في الاقتصاد.

وقال نائب مدير إدارة أوروبا في صندوق النقد الدولي، هيلغه بيرغر، خلال مؤتمر في مدينة دوبروفنيك، إن العمل المصرفي المركزي يصبح أكثر تعقيداً في فترات التضخم المرتفع، مضيفاً: "من السهل أن تكون محافظ بنك مركزي مستقلاً عندما يكون التضخم منخفضاً، لكن الأمر يصبح أكثر صعوبة عندما ترتفع الأسعار، وتُتخذ قرارات لا تحظى بشعبية".
وأضاف أن المرحلة الحالية تمثل  معركة مباشرة  مع التضخم، تتطلب قرارات حاسمة، حتى وإن كانت غير مرحب بها شعبياً.

الفيدرالي الأمريكي يحذر من اعتبار صدمة أسعار النفط أمراً عابراً - موقع 24قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مدينة كانساس سيتي، جيفري شميد، يوم الجمعة، إن مستويات التضخم المرتفعة بالفعل تجعل من الصعب افتراض أن الصدمة الحالية في قطاع الطاقة سيكون لها تأثير مؤقت فقط على الأسعار ويمكن تجاهلها من قبل البنك المركزي.

ضغوط سياسية ومالية متصاعدة

وبحسب مسؤولين ماليين، فإن الضغوط على استقلالية البنوك المركزية لا تقتصر على التدخلات المباشرة، مثل دعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخفض أسعار الفائدة، بل تمتد إلى أشكال أكثر تعقيداً في دول أخرى، حيث تُطلب من البنوك أحياناً مواءمة سياساتها مع أهداف صناعية أو دعم ميزانيات حكومية تعاني من عجز مرتفع.

كما أشار مسؤولون إلى أن مستويات الدين العام المرتفعة باتت تمثل قيداً فعلياً على استقلالية السياسة النقدية، إذ إن رفع أسعار الفائدة قد يفاقم مخاطر الأزمات المالية، ويضغط على الحكومات المثقلة بالديون.
وحذّر خبراء من أن فقدان الثقة في استقلالية البنوك المركزية يؤدي إلى نتائج عكسية في الأسواق، حيث تبدأ التوقعات التضخمية بالارتفاع، ما يجعل السيطرة على الأسعار أكثر صعوبة.

وقال عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني (البوندسبنك)، بوركهارد بالز، إن استقلالية البنوك المركزية “تُعتبر أمراً مسلّماً به عندما تعمل بشكل جيد، لكنها تصبح صعبة الاستعادة عندما تتضرر”، مؤكداً ضرورة حمايتها من الضغوط السياسية قصيرة المدى لضمان استقرار الأسعار.

جدل حول الاستجابة للتضخم

في المقابل، أشار بعض المشاركين في المؤتمر إلى أن جزءاً من تراجع الثقة في البنوك المركزية يعود إلى بطء الاستجابة لارتفاع التضخم في عامي 2021 و2022، عندما وُصف بأنه “مؤقت” لفترة طويلة قبل اتخاذ إجراءات تشديد نقدي واسعة.

ويعكس هذا الجدل المستمر تحدياً مزدوجاً تواجهه السياسات النقدية العالمية اليوم، يتمثل في الموازنة بين الاستقلالية المطلوبة لمكافحة التضخم، والضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة التي تحد من هامش الحركة.