قفز إجمالي الادخار في دولة الإمارات إلى 900.7 مليار درهم خلال العام 2025 بزيادة نسبتها 10.8% مقارنة مع 812.2 مليار درهم في العام 2024، وذلك بحسب الإحصائيات الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي.
ووفقاً للأرقام السابقة، حققت الإمارات نمواً كبيراً في حجم الادخار بزيادة 88.5 مليار درهم خلال عام واحد، مما جعلها في صدارة الترتيب العالمي من حيث نسبة الادخار إلى الناتج المحلي.
وتأتي هذه الطفرة في حجم الادخار لتتوج مساراً استراتيجياً طويلاً تبنته قيادة دولة الإمارات، مرسخةً نموذجاً اقتصادياً فريداً يقوم على تنويع مصادر الدخل، وبناء المصدات المالية الحصينة، وزيادة كفاءة الإنفاق الحكومي.
ويمثل الرقم المسجل لقيمة الادخار في نهاية عام 2025 الذروة التاريخية الأعلى على الإطلاق في مسيرة الدولة الاقتصادية، متجاوزاً كافة المستهدفات والتوقعات السابقة للمؤسسات المالية الدولية.
المسار التاريخي للادخار
ويتضح من خلال تحليل المسار التاريخي الممتد على مدار العقد الماضي، أن إجمالي الادخار في دولة الإمارات مر بمراحل تحول هيكلية واضحة تعكس مرونة الاقتصاد وقدرته الاستثنائية على امتصاص الصدمات الخارجية ومن ثم الانطلاق بقوة أعلى.
وخلال مرحلة التأسيس، بدأ إجمالي الادخار من مستوى 385.1 مليار درهم في عام 2010، وتدرج صعوداً حتى لامس حاجز 601.3 مليار درهم في عام 2014، مستفيداً من الطفرة النفطية آنذاك. لكن مع تراجع أسعار النفط، هبط الادخار بشكل حاد في عام 2015 ليصل إلى 380.7 مليار درهم.
وفي مرحلة التذبذب والجائحة العالمية، تأرجح الرقم الإجمالي للادخار صعوداً وهبوطاً تماشياً مع الإصلاحات الهيكلية وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، حتى جاء عام 2020 (عام جائحة كورونا) ليسجل الادخار أدنى مستوياته النسبية عند 373.7 مليار درهم نتيجة الركود الاقتصادي العالمي، والإغلاقات الشاملة، وتوقف حركة الطيران والتجارة الدولية.
أما في مرحلة الانطلاق، شكّل عام 2021 نقطة التحول الكبرى؛ حيث ارتفع الادخار إلى 561 مليار درهم، ثم صعد بقوة في عام 2022 مسجلاً 736.4 مليار درهم.
ورغم حركة التصحيح المرنة في عام 2023 والاستقرار عند 631.8 مليار درهم، عاود المؤشر وتيرة الصعود القوية في عام 2024 ليتجاوز التوقعات ويحقق 812.2 مليار درهم، وصولاً إلى القمة التاريخية المتمثلة في 900.7 مليار درهم بنهاية عام 2025.
وتمثل النقطة الأبرز في هذا المسار النقلة النوعية المسجلة بين عامي 2024 و2025؛ فزيادة 88.5 مليار درهم في عام واحد تعني أن الاقتصاد الإماراتي بات يمتلك طاقة توليدية ذاتية للسيولة والفوائض، تعمل بمعزل عن الضغوط التضخمية والتقلبات الجيوسياسية التي تعصف بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
دلالات الارتفاع
ويجمع خبراء الاقتصاد على أن تجاوز حجم الادخار الإجمالي عتبة الـ900 مليار درهم يحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد كونه "فائضاً مالياً عابراً"، بل هو صياغة جديدة لركائز القوة المالية السيادية للدولة.
ويرى رامي خريسات، الخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية، أن القفزة التاريخية للادخار تقدم دليلاً قاطعاً على نجاح خطط التنويع الاقتصادي وفك الارتباط الفعلي بالدورة النفطية.
ويشرح خريسات قراءته قائلاً: "تظهر عملية تتبع الأرقام تزامناً وثيقاً بين وصول الادخار إلى 900.7 مليار درهم، وتحليق الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي ليبلغ 1.84 تريليون درهم في نفس العام".
وأوضح في تصريح لـ"24"، أن هذه المقارنة تعني اقتصادياً أن الدولة لم تعد تجمع مدخراتها من عوائد النفط الخام فقط، بل من تدفقات مستدامة تولدها قطاعات حيوية بديلة مثل الخدمات المالية المتقدمة، والتجارة الخارجية الرقمية، والسياحة الفاخرة، والصناعات التحويلية، واللوجستيات العالمية.
ويمنح هذا الانفصال الهيكلي الاستقرار المالي للإمارات حصانة كاملة ضد أي صدمات مستقبلية في أسواق الطاقة.
من جانبه، يسلط الخبير المالي جمال عجاج الضوء على دلالة التوازن البنيوي بين الادخار والاستثمار الرأسمالي داخل الدولة، قائلاً: "توضح البيانات أن إجمالي تكوين رأس المال (والذي يمثل حجم الاستثمارات الرأسمالية والإنفاق على المشاريع التنموية والبنية التحتية في الإمارات) بلغ 540.3 مليار درهم لعام 2025.
وعندما نقارن هذا الإنفاق التوسعي الضخم بحجم الادخار المتوفر البالغ 900.7 مليار درهم، نكتشف أن الدولة تتمتع بنسبة تغطية ذاتية فائقة تتجاوز 166%.
وأكد أن الدلالة المباشرة هنا هي أن الإمارات تمتلك تمويلاً ذاتياً كاملاً لكافة مشاريعها التنموية المستقبلية، مثل مدن الذكاء الاصطناعي، ومحطات الهيدروجين الأخضر، وتوسعات المطارات والموانئ، دون أي حاجة للاعتماد على أسواق الدين العالمية أو الاقتراض الخارجي، مما يحمي المالية العامة من مخاطر تقلبات أسعار الفائدة المرتفعة عالمياً".
وأشار إلى أن تراكم هذه المدخرات يمثل الوقود الحيوي لتعزيز النفوذ الاستثماري الخارجي للدولة.
التوازن الهيكلي
ومن بين النقاط الجديرة بالاهتمام في التقرير الإحصائي لمصرف الإمارات المركزي لعام 2025، أن قفزة الادخار إلى 900 مليار درهم لم تأتِ نتيجة سياسات تقشفية أو تراجع في مستويات المعيشة، بل جاءت تزامناً مع نمو صحي ومتوازن لكافة المؤشرات الاقتصادية الأخرى.
فقد قفز صافي الدخل القومي الإماراتي ليصل إلى 2.27 تريليون درهم في عام 2025 مقارنة بـ2.09 تريليون درهم في عام 2024، إذ سمح هذا النمو الكبير في وعاء الدخل الإجمالي باقتطاع مدخرات أكبر دون التأثير سلباً على حركة السوق الداخلية.
كما تشير الأرقام إلى أن "الإنفاق الاستهلاكي النهائي الإجمالي" استمر في الصعود ليسجل 1.25 تريليون درهم في عام 2025 (موزعاً بين 964.7 مليار درهم للإنفاق العائلي، و290.6 مليار درهم للإنفاق الحكومي).
هذا التوازن الرقمي الدقيق يثبت أن ثقافة الادخار وبناء الفوائض في دولة الإمارات تسير جنباً إلى جنب مع نمو مطرد في مستويات الدخل الفردي والقوة الشرائية، مما يعكس كفاءة السياسات الاقتصادية والمالية التي توازن بين تلبية متطلبات الرفاهية الحالية للأفراد، وبين تأمين الحقوق التنموية المستدامة للأجيال القادمة.
ويُشار إلى أن القفزة التاريخية في معدلات الادخار القومي تتوافق تماماً مع الأهداف العليا والمستهدفات الطموحة للرؤية الاقتصادية للدولة "نحن الإمارات 2031"، والتي تسعى إلى مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة الصادرات غير النفطية، وترسيخ مكانة الدولة كمركز عالمي للاقتصاد الجديد.