مع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الثاني، بدأت تلوح في الأفق الإقليمي المتوتر بوادر انفراجة محتملة قد تضع حداً لتصعيد دخل يومه العاشر.  

هذه التطورات الميدانية والدبلوماسية تطرح تساؤلاً حول نجاح سياسة "الضغط العسكري الأقصى" في إرغام إيران على التراجع خطوة لمصلحة الحلول السياسية، بحسب مراقبين.

وبينما أبدى رئيس الدبلوماسية الأمريكية "انفتاحاً" مفاجئاً على استئناف التفاوض، تتصاعد التحركات الدبلوماسية المكثفة من جانب طهران عبر بوابة الوساطة الباكستانية، في محاولة لاحتواء احتقان متدحرج يزداد تعقيداً على الأرض.

 يدٌ واشنطن على الزناد وأخرى تمتد للحوار

قبيل مغادرته إلى العاصمة الفلبينية مانيلا لحضور قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، يرسم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ملامح الموقف المزدوج لإدارته؛ إذ مزج بين إبداء المرونة الدبلوماسية وتوجيه تحذيرات شديدة اللهجة. وقال روبيو في تصريحات للصحفيين اليوم الإثنين: "ستظل الولايات المتحدة منفتحة دائماً على الحل الدبلوماسي مع طهران. لقد حاولنا مراراً وتكراراً مع إيران، وسنواصل المحاولة.. وإذا فُتح هذا الباب، سنكون سعداء بذلك".

غير أن هذا الانفتاح كبّله روبيو بنقد حاد لسلوك إيران الميداني، لا سيما استهداف حركة الملاحة في مضيق هرمز، وأكد أن "مذكرة التفاهم لا يمكن أن تبقى سارية المفعول إذا كانوا ينتهكون بنودها". وأردف قائلاً: "إنهم يواصلون إرسال إشارات بأنهم يريدون الحوار والتفاوض، لكننا نرد على سلوكهم العملي، وهو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على السفن، بما في ذلك ما حدث الليلة".

وحول احتمالات فشل الجهود الدبلوماسية، حذر روبيو من أن العواقب لن تكون في مصلحة إيران بأي حال، نظراً لأن "اقتصادهم يمر بحالة يرثى لها". 


الرسائل غير المباشرة تحتدم

وتزامناً مع تلك التصريحات الصادرة من واشنطن، تشهد القنوات الدبلوماسية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد حراكاً متسارعاً. إذ وصل وزير الداخلية الإيراني، إسكندر مؤمني، في زيارة رسمية تستغرق يوماً واحداً لنقل رسالة خاصة من الرئيس مسعود بزشكيان إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والقادة الباكستانيين، باعتبار إسلام آباد الوسيط الرئيس والفاعل بين الطرفين.

وفي ذات السياق، يشير المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إلى أن طهران "لن تتخلى عن مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة"، مؤكداً استمرار قنوات التواصل غير المباشر. وكشف تسلم إيران "رسائل بالفعل عبر الوسطاء خلال الأيام الماضية".

وعلى الجانب الباكستاني، تجدد إسلام آباد تأكيدها على ضرورة الالتزام بتعهدات وقف إطلاق النار المنصوص عليها في "تفاهم إسلام آباد"، والتراجع عن أي خطوات من شأنها تغذية التوتر. وكان وزير الخارجية الباكستاني، محمد إسحاق دار، شدد يوم السبت على الحاجة الملحة لخفض التصعيد واقتضاء احترام سيادة جميع الدول ووحدة أراضيها كأولوية قصوى.

يُذكر أن باكستان لعبت أدواراً حاسمة في هندسة التفاهمات المبدئية الموقعة بين واشنطن وطهران الشهر الماضي، عبر جهود قادها قائد الجيش عاصم منير، ووزير الداخلية محسن نقوي، ومسؤولون آخرون.

الضغط الأقصى والانقسام الداخلي

وفي تحليل لمسار الأزمة وخلفياتها، يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن واشنطن تُعيد استخدام استراتيجية "الضغط الأقصى" ولكن بتكتيكات مختلفة؛ إذ تعتمد على الضربات العسكرية الموجهة للبنية التحتية والمرافق الاقتصادية لإجبار إيران المنهكة اقتصادياً على العودة إلى طاولة التفاوض للوصول إلى حل دائم.

ويوضح هريدي أن الضغوط الاقتصادية المترديّة داخل إيران أحدثت استقطاباً وانقساماً داخلياً واضحاً بين معسكرين:

الفريق السياسي والإداري: بقيادة الرئيس بزشكيان، وقاليباف، وعراقجي، والذي يرى أن البلاد باتت على شفا انهيار اقتصادي وأن المواطنين يواجهون معاناة غير مسبوقة، ما يحتم الوصول إلى حلول جذرية تحمي الدولة من السقوط.

المعسكر العسكري والأيديولوجي: المتمثل في الحرس الثوري والتيارات المتشددة الداعية لمواصلة المواجهة.

واختتم السفير هريدي قراءته بالإشارة إلى تحول ملموس في الخطاب الأمريكي؛ إذ يركز بوضوح على "إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات"، وهو الطرح الذي غاب تماماً عن تصريحات لواشنطن في بداية هذا التصعيد العسكري.