بعد أكثر من عقدين على طرح أوراق اليورو، يستعد البنك المركزي الأوروبي لإطلاق طباعة "الجيل الثالث" من العملة الموحدة، بأبعاد ورموز ثقافية متجذرة مع معالم بيئة القارة العجوز، بعيداً عن الطابع السياسي النمطي. يشكل ذلك خطوة تتجاوز تحديث الشكل الخارجي إلى أهداف سياسية، اقتصادية، أمنية واستراتيجية، رغم التوسع المتسارع في المدفوعات الإلكترونية واستمرار العمل على مشروع "اليورو الرقمي".

كشف "البنك المركزي الأوروبي" أخيراً عن 10 تصاميم نهائية لأوراق اليورو الجديدة، موزعة على محورين رئيسيين: "الثقافة الأوروبية" و"الأنهار والطيور"، مع فتح باب الاستفتاء أمام الأوروبيين حتى 21 سبتمبر (أيلول)، على أن يُختار التصميم النهائي نهاية 2026، قبل بدء مرحلة التطوير والإنتاج التي تستغرق عدة سنوات.

وتضم التصاميم شخصيات بارزة مثل: "ليوناردو دافنشي"، "ماري كوري"، "لودفيغ فان بيتهوفن"، "ماريا كالاس"، و "ميغيل دي ثيربانتس"، إلى جانب مجموعة نقدية أخرى تستلهم "الأنهار والطيور الأوروبية" باعتبارها رمزاً للتنوع البيئي والوحدة والاستدامة.

بعكس الإصدارات السابقة، منح البنك المركزي الأوروبي المواطنين فرصة المشاركة المباشرة في اختيار التصاميم النهائية من 27 دولة في الاتحاد.

وتأتي هذه الخطوة في إطار تعزيز قبول العملة وتعميق ارتباط الأوروبيين بها، إذ يرى البنك أن تصميم الأوراق النقدية لا يتعلق بالجوانب الجمالية فقط، بل يمثل وسيلة لترسيخ الهوية المشتركة والثقة بالعملة الموحدة، التي يستخدمها مئات الملايين يومياً.

ولا ينظر البنك المركزي الأوروبي إلى اليورو بوصفه مجرد عملة، بل أحد أبرز رموز "التكامل الأوروبي النقدي".

ولهذا السبب، جاء مشروع إعادة التصميم بعد مشاورات واسعة بدأت في 2021، شارك فيها خبراء من مختلف دول منطقة اليورو، بهدف اختيار تصاميم تعكس الهوية الأوروبية المشتركة بصورة أفضل.

لكن السؤال الأبرز اقتصادياً هو: لماذا يستثمر البنك المركزي الأوروبي في تطوير الأوراق النقدية؟

النقد جزء أساسي من الاقتصاد

رغم انتشار "المحافظ الرقمية"، "البطاقات البنكية" و "خدمات الدفع الفوري"، يرى البنك المركزي الأوروبي أن النقد الورقي لا يزال يشكل جزءاً أساسياً من النظام المالي الأوروبي.

ويؤكد المركزي الأوروبي أن الأوراق النقدية تمثل "المال العام" الصادر مباشرة عن البنك، بما يضمن استمرار حرية الأفراد في اختيار وسيلة الدفع، وعدم الاعتماد الكامل على البنية التحتية الرقمية أو الشركات الخاصة. كما يوفر النقد وسيلة دفع يمكن استخدامها حتى في حالات انقطاع الكهرباء أو تعطل الشبكات الإلكترونية.

ولهذا السبب، يؤكد البنك أن مشروع اليورو الرقمي لا يهدف إلى استبدال النقد، بل إلى العمل إلى جانبه، بحيث يظل اليورو الورقي متاحاً ومتداولاً حتى بعد إطلاق النسخة الرقمية مستقبلاً.

مواجهة التزوير

من الناحية الاقتصادية، تحديث الأوراق النقدية ممارسة اعتيادية لدى البنوك المركزية الكبرى، إذ تتطور تقنيات الطباعة والتصوير باستمرار، ما يفرض تطوير وسائل حماية أكثر تقدماً. ويشير البنك المركزي الأوروبي إلى أن الجيل الجديد من أوراق اليورو سيضم عناصر أمنية وتقنيات تحقق أكثر تطوراً، تجعل تزويرها أكثر صعوبة، وتسهّل على الأفراد والمتاجر التحقق من صحتها بسرعة.

كما ستُراعى سهولة استخدامها من قبل ذوي الإعاقة البصرية، مع الاعتماد على مواد إنتاج أكثر استدامة بما يحد من تكاليف الاستبدال مستقبلاً.

هل يعني ذلك انتهاء الأوراق الحالية؟

الإجابة قطعاً، لا، ومحصورة بين اليورو الورقي والرقمي. فبعد اختيار التصميم النهائي، تبدأ مرحلة طويلة من التطوير والاختبارات وإضافة عناصر الحماية، قبل بدء الطباعة والتوزيع.

وخلال هذه الفترة، ستظل أوراق اليورو الحالية قانونية ومتداولة جنباً إلى جنب مع السلسلة الجديدة، ولن تفقد قيمتها أو صلاحيتها بمجرد إصدار الأوراق الجديدة.

وتكشف خطة البنك المركزي الأوروبي أن مستقبل المدفوعات في أوروبا لا يقوم على استبدال النقد بالحلول الرقمية، بل على التكامل بينهما.

فبينما يتقدم مشروع اليورو الرقمي لتوفير وسيلة دفع إلكترونية رسمية يصدرها البنك المركزي، يجري في ذات الوقت تحديث اليورو الورقي ليظل آمناً، وأكثر استدامة، وأقرب إلى المواطنين، في رسالة مفادها أن العملة الورقية ما زالت تحتفظ بدورها الاقتصادي حتى في عصر التحول الرقمي.