لم يتبق أمام شركات الدفاع الأمريكية سوى أشهر قليلة قبل دخول قيود جديدة حيز التنفيذ، تمنعها من شراء معادن ومغناطيسات استراتيجية مرتبطة بالصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، لكن الصناعة المحلية لا تزال بعيدة عن توفير احتياجات السوق.
طلب أمريكي بـ48 ألف طن وإنتاج محلي لا يتجاوز 300 طن يهددان مهلة 2027
العطيفي لـ"24": أمريكا تملك المناجم لا سلاسل الإمداد والإعفاءات ضرورة مؤقتة
خبير الاقتصاد: مخزون المعادن يشتري الوقت.. ولا يغني واشنطن عن الصين
باحث اقتصاد سياسي صيني لـ"24": السعر نقطة ضعف واشنطن.. وهيمنة الصين قد تتراجع خلال 10 أعوام
واعتباراً من بداية يناير (كانون الثاني) المقبل، تمتد القيود الأمريكية إلى جميع مراحل سلسلة الإمداد، من التعدين والتكرير والفصل إلى تصنيع المغناطيسات النهائية، وتشمل مغناطيسات النيوديميوم والحديد والبورون، والسماريوم والكوبالت، إلى جانب التنتالوم والتنجستن المستخدمين في صناعات الدفاع والطيران.
فجوة لا تسدها المناجم
تظهر المشكلة بوضوح في مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة، إذ نقلت وكالة "رويترز" عن شركة "آرثر دي ليتل" أن الطلب الأمريكي على أكثر أنواعها استخداماً بلغ نحو 48 ألف طن خلال 2025، بينما لم توفر المصادر المحلية سوى 300 طن.
وتضيف "رويترز" أن الشركات الأمريكية تتجه نحو امتلاك طاقة إنتاجية تبلغ نحو 5 آلاف طن بنهاية 2026، لكنها ستظل بعيدة عن تغطية الطلب المحلي.
ويرى د. محمد العطيفي، خبير الاقتصاد، أن امتلاك الولايات المتحدة المناجم لا يعني امتلاكها سلسلة إمداد متكاملة، إذ تستطيع استخراج بعض الخامات، لكنها تفتقر إلى قدرات الفصل والتكرير وتحويل المعادن إلى مكونات صناعية.
ويقول العطيفي لـ"24": "توجد فجوات كبيرة في منتصف سلسلة الإمداد الأمريكية، إذ تضطر الولايات المتحدة إلى إرسال بعض الخامات إلى الخارج لمعالجتها، ثم إعادة استيرادها في صورة مواد مصنعة".
ويضيف أن التحدي الأكبر لا يتعلق بالخامات وحدها، بل بالمغناطيسات الدائمة المستخدمة في المحركات والطائرات وأنظمة التوجيه، موضحاً أن الإنتاج الأمريكي لا يغطي سوى جزء من احتياجات الدفاع.
وتقول وكالة الطاقة الدولية، إن الصين استحوذت خلال 2024 على 60% من تعدين العناصر المستخدمة في المغناطيسات، لكن حصتها ارتفعت إلى 91% من التكرير و94% من إنتاج المغناطيسات الدائمة الملبدة.
ما خيارات واشنطن؟
تسمح قواعد المشتريات الدفاعية الأمريكية باستثناءات عندما يتعذر توفير المواد بالجودة والكمية والشكل المطلوب، وفي الوقت المناسب وبسعر معقول، مع إلزام الشركات بالكشف عن المصدر وإثبات البحث عن بدائل.
وتقول "رويترز"، إن مشروع "فولت" الأمريكي، البالغة قيمته 12 مليار دولار، يستهدف بناء مخزون استراتيجي من المعادن الحرجة، لكن مسؤولين أشاروا إلى أنه قد يشتري مواده في البداية من الأسواق المتاحة، بما فيها الصين.
ويصف العطيفي المخزون الاستراتيجي بأنه أهم جسر يمكن أن تعتمد عليه واشنطن خلال عامي 2027 و2028، إذ يسمح لوزارة الدفاع والشركات بامتصاص اضطراب مؤقت في الإمدادات، لكنه لا يمثل حلاً دائماً.
ويرى أن الاعتماد على الحلفاء هو المسار الأسرع نسبياً، عبر شبكة تضم أستراليا وكندا واليابان وأوروبا ودولاً في أفريقيا وآسيا، لكن المشروعات الخارجية تحتاج إلى وقت قبل دخولها الإنتاج.
وتدعم واشنطن بالفعل مشروع "أمباسيندافا" في مدغشقر، الذي يستهدف بدء إنتاج العناصر الأرضية النادرة منتصف 2028، بطاقة تبلغ نحو 4 آلاف طن سنوياً من الأكاسيد.
ويضيف العطيفي أن إعادة التدوير قد تصبح مصدراً مهماً للمعادن المستخرجة من البطاريات والإلكترونيات ومخلفات المناجم، لكنها تظل عاملاً مكملاً لا بديلاً للصين حالياً.

السعر ورقة الصين
ويرى بيني كوك، الباحث الصيني في الاقتصاد السياسي، أن اتجاه الولايات المتحدة إلى بناء سلسلة مستقلة أصبح أمراً لا رجعة فيه، مثلما تعمل الصين على تقليل اعتمادها على أشباه الموصلات الأمريكية.
ويقول لـ"24"، إن الصين قد تحاول إبقاء الشركات الغربية داخل سلسلة إمداداتها عبر الأسعار التنافسية وسياسات التصدير الأكثر تشدداً، موضحاً أن السعر سيظل نقطة الضعف الرئيسية أمام البديل الأمريكي.
ويضيف أن شركات محدودة، خصوصاً مقاولي الدفاع، قد تشتري المعادن الأمريكية، بينما تظل الشركات الأخرى أكثر ميلاً إلى الإمدادات الصينية الأقل كلفة.
ويؤكد كوك أن الصين تستطيع استخدام هيمنتها على التكرير وتصنيع المغناطيسات ورقة ضغط، ما دامت الولايات المتحدة غير قادرة على توفير منتجات مؤهلة بأسعار تنافسية.
لكنه يتوقع تراجع فاعلية هذه الورقة خلال فترة تتراوح بين 5 و10 أعوام، مع اتجاه الشركات إلى الشراء من السلاسل الصينية والأمريكية معاً لموازنة المخاطر الجيوسياسية، ما قد يفقد الصين احتكارها الحالي.