أعلنت دول أوروبا وكندا، خلال قمة "الناتو" في أنقرة، التزامها بتقديم 162 مليار دولار لدعم أوكرانيا خلال 2026 و2027، في خطوة تعكس انتقال العبء المالي للحرب تدريجياً من الولايات المتحدة إلى الحلفاء الأوروبيين، وفق تحليل نشرته مؤسسة "موديرن دبلوماسي".
غير أن حجم التعهدات أعاد طرح تساؤلات اقتصادية وسياسية بشأن قدرة أوروبا على مواصلة تمويل أوكرانيا، في وقت تواجه فيه ضغوطاً متزايدة على موازناتها، بالتزامن مع اضطرابات أسواق الطاقة الناجمة عن حرب إيران.
ولفهم هذه التساؤلات، لا بد من العودة إلى كيفية تغير هيكل تمويل الحرب منذ اندلاعها. فمنذ 2022، كانت الولايات المتحدة الممول العسكري الأكبر لكييف، بينما لعبت أوروبا دور الشريك الرئيسي في الدعم المالي والاقتصادي.
واشنطن تقلص الإمدادات
إلا أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض غيّرت هذه المعادلة بعدما بدأت واشنطن تقليص المساعدات التي تتحمل تكلفتها مباشرة، واستبدلتها بآلية (PURL)، أو "قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية"، التي تسمح للدول الأوروبية وكندا بتمويل شراء الأسلحة الأمريكية لصالح أوكرانيا، بدلاً من تمويلها مباشرة من الموازنة الأمريكية، وفق "رويترز".
وبذلك لم تنسحب الولايات المتحدة من دعم كييف، لكنها نقلت جانباً كبيراً من التكلفة إلى حلفائها، مع احتفاظ شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية بدورها في تزويد أوكرانيا بالأسلحة والمعدات. ووصلت قيمة الالتزامات ضمن هذه الآلية أكثر من 5.5 مليارات دولار موزعة على 26 دولة قبل قمة أنقرة، بحسب "رويترز".

ورغم التعهدات المعلنة، يرى تحليل "مودرن دبلوماسي" أن 162 مليار دولار لا تمثل تمويلاً جديداً بالكامل، بل تضم مساعدات قائمة وقرضاً أوروبياً بقيمة نحو 102.4 مليار دولار.
كما أن جزءاً من التمويل لا يزال غير مؤمَّن، إذ لم يتفق أعضاء حلف الناتو بعد على كيفية تقاسم الفجوة التمويلية، ما يبقي تنفيذ التعهدات مرتبطاً بقرارات الحكومات الأوروبية وموازناتها الوطنية.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً متزايدة في قطاع الطاقة نتيجة الحرب على إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وبحسب "رويترز"، تراجعت مخزونات الغاز الأوروبية إلى 57.1%، وهو أدنى مستوى لهذا الوقت من السنة منذ 2009.
وفي السياق ذاته، توقعت "غولدمان ساكس" ارتفاع أسعار الغاز الأوروبي إلى 116 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة بحلول ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بـ64 دولاراً حالياً، في تطور من شأنه زيادة الضغوط على الاقتصادات الأوروبية.
أوكرانيا بلا غطاء ترامب
ويرى التحليل أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب زيادة الإنفاق الدفاعي، سيجعل الحفاظ على مستويات الدعم الحالية لأوكرانيا أكثر صعوبة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في الشرق الأوسط لفترة أطول.
ويرى تحليل "مودرن دبلوماسي" أن التحدي الأكبر أمام الحلف لا يكمن في إعلان تعهدات مالية ضخمة، وإنما في تأمين التمويل اللازم وتحويل الالتزامات السياسية إلى دعم عسكري ومالي فعلي يصل إلى كييف.