أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير، للمرة الخامسة على التوالي، في اجتماع لجنة السياسة النقدية، اليوم الخميس، في قرار يعكس موازنة بين تطورات التضخم والمخاطر المحيطة به، خاصة مع تأثير تحركات أسعار الفائدة العالمية على تدفقات الأموال الأجنبية إلى السوق المصرية.

يترتب على تثبيت أسعار الفائدة عدد من التداعيات المباشرة على السوق المصري، في مقدمتها استقرار تدفقات الأموال الساخنة، إذ يحافظ القرار على جاذبية الاستثمار في أذون وسندات الخزانة المصرية للمستثمرين الأجانب ويقلل ضغوط خروج رؤوس الأموال.

وبحسب بيان حكومي رسمي، فقد تقرر تثبيت سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.00% و20.00% و19.50%، على الترتيب.

وتعد هذه المعدلات مرتفعة عند مقارنتها بنظيراتها في المنطقة، حيث تسجل 3.9% في الإمارات، و4.5% في السعودية والبحرين وعُمان، و4.6% في قطر، و6% في الأردن. 

لكن وفق بيان المركز المصري، فإن هذا القرار جاء انعكاساً لتقييم اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، إلى جانب التغيرات في المخاطر المحيطة به.

المركزي المصري يدرس سيناريوهات الفائدة بين التثبيت والرفع - موقع 24يبحث البنك المركزي المصري، غداً الخميس، مصير أسعار الفائدة في ظل معادلة نقدية أكثر تعقيداً، تتمثل في ارتفاع مخاطر التضخم المرتبطة بالطاقة والتوترات الجيوسياسية، وتشدد السياسة النقدية العالمية من جهة أخرى.

لماذا أبقى المركزي على الفائدة؟

يرى الدكتور مدحت نافع، خبير الاقتصاد والتمويل وأستاذ الاقتصاد بجامعتي القاهرة والنيل وعضو الجمعية الاقتصادية المصرية، أن السبب الرئيسي للقرار يتمثل في الموازنة بين تطورات التضخم والمخاطر الخارجية، لكنه يميل بقوة نحو درء المخاطر الخارجية، وحماية الأموال الساخنة.

وقال نافع في حديثه لـ"24"، إن ذلك يأتي في ظل عودة التلويح بمسار التشديد النقدي في الاقتصادات الكبرى، خاصة أمريكا وأوروبا، متوقعاً اجتماعاً استثنائياً لرفع الفائدة حال بدأت الأموال الساخنة في الخروج، بعد إعادة تقييم المخاطر.

وفيما يتعلق بالتضخم، أوضح أن استمرار التثبيت للمرة الخامسة يعكس الرغبة في الحفاظ على العائد الحقيقي الموجب أو الجذاب للمستثمرين الأجانب بأدوات الدين، لضمان استمرار تدفقات الأموال الساخنة ومنع خروجها المفاجئ، إلى جانب استيعاب الصدمات التضخمية المحلية المحتملة.

تداعيات تثبيت الفائدة على السوق

وبحسب نافع، يترتب على تثبيت أسعار الفائدة عدد من التداعيات المباشرة على السوق المصري، في مقدمتها استقرار تدفقات الأموال الساخنة، إذ يحافظ القرار على جاذبية الاستثمار في أذون وسندات الخزانة المصرية للمستثمرين الأجانب، ويقلل ضغوط خروج رؤوس الأموال.

في المقابل، تستمر كلفة التمويل والاقتراض المرتفعة للشركات والأفراد، بما يبقي على تباطؤ نسبي في التوسع الاستثماري الممول بالديون المحلية.

كما يرسخ القرار، وفقاً للخبير الاقتصادي، حالة من الترقب في الأسواق، مع استمرار سياسة "الانتظار والترقب" بين المستثمرين لحين اتضاح اتجاهات التضخم العالمية والمحلية وأسعار الصرف.

16 عاماً من التقلبات تنتهي برقم قياسي.. رحلة الاحتياطي النقدي المصري - موقع 24بالتزامن مع ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 43.1 مليار دولار، خلال 11 شهراً، من يوليو (تموز) 2025 إلى مايو (أيار) 2026، أعلن البنك المركزي المصري تسجيل ارتفاع قياسي في احتياطي النقد الأجنبي لأول مرة في تاريخ البلاد، مسجلاً 55.072 مليار دولار.

ماذا يعني القرار للجنيه؟

وبشأن تأثير تثبيت الفائدة على الجنيه أمام الدولار، قال مدحت نافع إن القرار ساهم في دعم استقرار سعر الصرف، ومنع حدوث أي ضغوط إضافية على الجنيه.

وأضاف أن اتجاه البنك المركزي إلى خفض الفائدة في هذا التوقيت كان سيؤدي إلى موجة خروج سريعة للأموال الساخنة نحو الأسواق الغربية التي قد تشدد سياستها، وهو ما كان سيخلق نقصاً حاداً في العملة الأجنبية ويضع الجنيه تحت ضغوط هبوطية قوية.

بدورها، تشير الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس إلى أن تأثير تثبيت أسعار الفائدة على الدولار والجنيه ليس قوياً، لأن سوق الصرف في مصر يعتمد بدرجة كبيرة على رؤية البنك المركزي لتدفقات النقد الأجنبي ومصادره ومخرجاته، في ظل سياسة مرونة سعر الصرف.

وأشارت في حديثها لـ"24" إلى أن التوقيت الحالي لم يكن ليسمح بأي خفض لأسعار الفائدة في ظل معدلات التضخم المرتفعة، لأن خفضها قد يغري رؤوس الأموال بالخروج من الجهاز المصرفي بحثاً عن منافذ استثمارية أخرى، وهو ما يهدد مدخرات الأفراد التي تشكل الشريان الأساسي لتمويل البنوك، والتي تُعد الحكومة المقترض الأكبر منها.

كما ركّزت الخبيرة الاقتصادية على أن تعافي الجنيه يرتبط أساساً بزيادة التدفقات الأجنبية وزيادة احتياطي النقد الأجنبي، وهو ما تحقق مؤخراً بدعم ملموس من ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج.