تشهد ساحة صناعة السيارات في العالم معركة ضارية بين الكبار، "التنين الصيني" يواصل يواصل حشد قدراته الإنتاجية والتكنولوجية ليسابق الجميع داخل الأسواق، وفي المواجهة تواصل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بناء جدران دفاعية تتمثل في الرسوم الجمركية والعمليات التنظيمية بهدف حماية الصناعات المحلية.

الصين تنتج 34.5 مليون مركبة ونحو 70% من كهربائيات العالم.. وأكثر من 80% من خلايا البطاريات تخرج من مصانعها
واشنطن ترفع جداراً جمركياً وتقنياً.. وأوروبا تفرض رسوماً تصل إلى 35.3% بينما تنتقل الشركات الصينية للتصنيع خلف المتاريس
جمال عسكر لـ"24": الصين تجاوزت مرحلة التقليد.. وشركات غربية تبحث اليوم عن تكنولوجيتها
خبير قطاع سيارات: قوة الصين في السيارات تأتي من البطاريات والمعادن والبحث والتطوير معاً

ملامح تلك المواجهة تظهر بوضوح على ضفتي الأطلسي. ففي القارة العجوز، قفزت حصة العلامات الصينية في سوق السيارات إلى 11.3% خلال أغسطس (آب)، مقابل 7.1% قبل عام، رغم الرسوم الأوروبية المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية. 

وفي الولايات المتحدة، طالبت مجموعات تمثل شركات بينها: جنرال موتورز، وفورد، وتويوتا، وفولكسفاغن، وتسلا بالإبقاء على القيود التي تحد من دخول المصنعين الصينيين إلى السوق الأمريكية.

الجحفلة الصناعية

يقف وراء هذا التقدم حجم إنتاج صيني يصعب تجاهله، إذ تشير المنظمة الدولية لمصنعي السيارات "OICA" إلى أن بكين أنتجت 34.53 مليون مركبة في 2025، بزيادة نحو 3.25 ملايين مركبة خلال عام واحد، في مقابل 17.2 مليون مركبة أنتجتها أوروبا بأكملها. وتشير المنظمة إلى أن إنتاج الصين من مركبات الطاقة الجديدة 16.63 مليون مركبة.

وتظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الصين صنعت في العام نفسه نحو 16 مليون سيارة كهربائية من أصل قرابة 22 مليوناً أنتجها العالم، بما يعادل نحو 70% من الإنتاج العالمي، فيما تخطت صادراتها من السيارات الكهربائية 2.5 مليون سيارة.

ولا يقتصر الحشد على السيارة نفسها، إذ تقول الوكالة إن الصين استحوذت على أكثر من 80% من إنتاج خلايا البطاريات عالمياً في 2025، إلى جانب نحو 85% من إنتاج مواد الكاثود وأكثر من 90% من مواد الأنود المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية.

يقول المهندس جمال عسكر خبير قطاع السيارات لـ"24"، إن تقدم الصين لا يمكن ربطه بعامل واحد، بل هو نتيجة عمل متزامن في البحث والتطوير والبطاريات وسلاسل الإمداد والتصنيع وخفض التكلفة، إلى جانب الدعم الحكومي.

ويضيف أن الشركات الصينية لم تعد في المرحلة التي تعتمد فيها على تقليد التكنولوجيا الأجنبية، بل أصبحت تطور تقنيات تدفع شركات غربية نفسها إلى البحث عن شراكات معها والاستفادة من قدراتها في السيارات الكهربائية والهجينة.

من مصنع للغرب إلى مركز للتكنولوجيا

وتدعم تحولات داخل الصناعة هذا الاتجاه، وتذكر "رويترز" أن شركات مثل.. جنرال موتورز، وفولكسفاغن، ورينو، وأودي باتت تمنح فرقها الهندسية في الصين أدواراً أكبر في تطوير منصات وسيارات جديدة، بعدما ظلت الصين لسنوات قاعدة لإنتاج سيارات يجري تصميمها في مقار الشركات الغربية.

وبحسب الوكالة، ارتفعت حصة البحث والتطوير الذي تنفذه شركات صناعة السيارات الألمانية في الصين، للأسواق الصينية والعالمية، إلى 33% مقابل 12% قبل عامين، وفق بيانات غرفة التجارة الألمانية في الصين.

وسبقت الشراكات الحالية موجة من الاستحواذات والاستثمارات الصينية، ففي 2010 اشترت "Geely" شركة "Volvo Cars" من "Ford" مقابل نحو 1.8 مليار دولار، بينما أصبحت العلامة البريطانية "MG" مملوكة لـ"SAIC" بعد استحواذها على "Nanjing Automobile" في 2007.

كما تظهر بيانات "مرسيدس بنز" أن مجموعة "BAIC" الصينية تملك 9.98% من الشركة، فيما يملك مؤسس "Geely" لي شوفو 9.69% من خلال شركة استثمارية، ما يضع مصالح صينية بين أكبر المساهمين المعروفين في واحدة من أبرز شركات السيارات الألمانية.

المتراس الأمريكي

أمام هذا التجحفل، أقامت واشنطن واحداً من أعلى الجدران التجارية. فالولايات المتحدة تفرض رسماً إضافياً 100% على السيارات الكهربائية الصينية ضمن إجراءات "Section 301".

وفي سبتمبر (أيلول)، جددت شركات صناعة السيارات الأمريكية ومشرعون مطالبهم بالإبقاء على تلك القيود، في ظل نقاش داخل واشنطن حول السماح باستثمارات صينية في التصنيع المحلي.

أوروبا تحفر خندقاً

أما الاتحاد الأوروبي، يفرض رسوماً تعويضية على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين 17% على BYD، و18.8% على Geely، و35.3% على SAIC، بعد تحقيق قالت المفوضية الأوروبية إنه أثبت استفادة القطاع من دعم حكومي يضر بالمنافسة الأوروبية.

لكن الرسوم لم توقف توسع العلامات الصينية، كما أنها لا تشمل السيارات الهجينة القابلة للشحن بالطريقة نفسها، ما دفع بروكسل إلى بحث إجراءات جديدة مع الارتفاع السريع في مبيعات الهجين الصيني.

كما تبحث أوروبا متراساً إضافياً عبر مشروع قواعد "Made in EU"، الذي يتضمن اشتراطات للمكون المحلي في قطاعات استراتيجية بينها السيارات الكهربائية، لكنه لا يزال مقترحاً يخضع للمفاوضات الأوروبية.

مصانع خلف المتاريس

وفي الوقت الذي ترتفع فيه الجدران، تتجه شركات صينية إلى التموضع داخلها عبر التصنيع والشراكات. ففي إسبانيا، اتفقت "Ford" و"Geely" على مشروع مشترك تملك فيه الشركة الأمريكية 66% والصينية 34%، لإنتاج سيارات كهربائية في مصنع فالنسيا وتطوير طراز جديد للسوق الأوروبية.

أما "Stellantis"، أصبحت أكبر مساهم في "Leapmotor" الصينية بحصة تقارب 21%، وأنشأ الطرفان مشروع "Leapmotor International"، المملوك 51% لستيلانتس و49% للشركة الصينية، مع حقوق تصنيع وبيع سيارات Leapmotor خارج الصين، ويبحث الطرفان توسيع الإنتاج في مصانع إسبانية.

كما تبني "BYD" مصنعاً للسيارات في المجر، بينما تبحث شركات أخرى مثل "GAC" زيادة طاقتها الإنتاجية في أوروبا، في تحول من تصدير السيارة عبر الحدود إلى إنتاجها داخل السوق المستهدفة نفسها.

حرب تحت غطاء المحرك

وتملك الصين ورقة أخرى في معركة السيارات؛ إذ تستحوذ، وفق وكالة الطاقة الدولية، على 91% من تكرير المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيسات و94% من إنتاج المغناطيسات الدائمة، فيما أدت قيود فرضتها بكين على تصدير بعض هذه العناصر في 2025 إلى اضطراب إمدادات عدد من المصنعين خارج الصين.

يقول المهندس عسكر لـ"24"، إن قوة الصين لا تأتي من عنصر واحد، بل من اجتماع السيطرة على البطاريات وسلاسل الإمداد والمعادن مع البحث والتطوير والإنتاج واسع النطاق والدعم الحكومي، مضيفاً: "كل ده مع بعضه"، ما يمنح الشركات الصينية قدرة أكبر على تطوير التكنولوجيا وخفض التكلفة.

ويضيف عسكر أن الصين حققت تقدماً كبيراً في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والهجينة، بعدما تحولت من مرحلة تقليد التكنولوجيا الأجنبية إلى تطوير تقنياتها الخاصة، في وقت بدأت فيه شركات غربية تتجه إلى شراكات مع مصنعين صينيين للاستفادة من هذا التطور.

وتتزامن هذه القوة الصناعية مع تسارع التوسع الخارجي، إذ قفزت صادرات سيارات الركوب الصينية 77.5% في أغسطس (آب) إلى 894 ألف سيارة، بينما ارتفعت صادرات السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن 154.7%.