تواجه أكبر شركات النفط العالمية معضلة بشأن كيفية التصرف في مكاسب إضافية تبلغ 32 مليار دولار، حققتها نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بفعل الحرب في الشرق الأوسط، وسط تساؤلات المستثمرين بشأن ما إذا كانت هذه الأموال ستُوجّه إلى خفض الديون، أو زيادة توزيعات الأرباح، أو تمويل استثمارات جديدة في إنتاج النفط والغاز.
وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، حققت شركات "إكسون موبيل" و"شل" و"شيفرون" و"توتال إنرجيز" و"بي بي" أرباحاً معدلة تجاوزت 75 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، بارتفاع 75% مقارنة بنحو 43 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025، فيما تضاعفت تدفقاتها النقدية الحرة تقريباً.
ومع استعداد الشركات الخمس لإعلان نتائج الربع الثالث في وقت لاحق من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، يترقب المستثمرون خططها للاستفادة من السيولة الإضافية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مدة الحرب مع إيران ومستقبل أسعار الطاقة.
أرباح استثنائية بفعل الحرب
استفادت شركات النفط الكبرى من ارتفاع أسعار الخام بنحو الثلث في المتوسط منذ بداية العام، نتيجة الاضطرابات الواسعة التي أحدثتها الحرب الأمريكية مع إيران في أسواق الطاقة العالمية.
وارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بنسبة 155% منذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط) الماضي، فيما تضاعفت أسعار الديزل تقريباً، وحققت أنشطة تداول الطاقة عوائد استثنائية نتيجة التقلبات الحادة في الأسواق.
وتعيد هذه المكاسب إلى الأذهان طفرة أرباح شركات الطاقة في 2022، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، عندما قفزت أرباح الشركات الخمس بنسبة 125%، غير أن الشركات نجحت حتى الآن في تجنب فرض ضرائب استثنائية على أرباحها المرتبطة بالحرب الحالية.

"خفض الديون".. أولوية
تتصدر معالجة الميزانيات العمومية أولويات بعض شركات النفط، إذ أعلنت "بي بي" هذا الأسبوع أنها ستستخدم مكاسبها الاستثنائية لخفض الديون والالتزامات الأخرى بما يتراوح بين 9 و10 مليارات دولار خلال الربع الثالث، ما يضعها في موقع متقدم على أهدافها المالية.
وأكدت الرئيسة التنفيذية الجديدة للشركة، ميغ أونيل، خلال منتدى "إنرجي إنتليجنس" في لندن، أن الوقت الحالي ليس مناسباً لزيادة الإنفاق، مشددة على ضرورة التركيز على إصلاح الميزانية العمومية وعدم الانجراف وراء الارتفاع الحالي في أسعار النفط.
من جهته، قال مارتين راتس، رئيس أبحاث النفط والغاز الأوروبية في "مورغان ستانلي"، إن الشركات لا تزال تعتبر تغيير خططها الاستثمارية بصورة جذرية أمراً مبكراً، موضحاً أنها تركز على الانضباط المالي بدلاً من الدخول في موجة إنفاق واسعة.

توزيعات الأرباح تتصدر الخيارات
في المقابل، بدأت بعض الشركات توضيح كيفية توظيف السيولة الإضافية لصالح المساهمين، إذ تعهدت "توتال إنرجيز" الشهر الماضي بزيادة توزيعات الأرباح سنوياً حتى 2030، إلى جانب توسيع عمليات إعادة شراء الأسهم.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة، باتريك بويانيه، إن هناك مجالاً لتحقيق عوائد مرتفعة للمساهمين، في إشارة إلى توجه الشركة للاستفادة من المكاسب الاستثنائية دون التوسع المفرط في الإنفاق.
فيما أكد الرئيس التنفيذي لشركة "شيفرون"، مايك ويرث، على أن المكاسب الاستثنائية تعود في نهاية المطاف إلى المساهمين، وينبغي إعادتها إليهم بمرور الوقت، مع الحفاظ على الانضباط في الإنفاق.
وتتوقع "شيفرون" زيادة نفقاتها الرأسمالية إلى ما بين 18 و19 مليار دولار خلال العام الحالي، مقارنة بما يزيد قليلاً على 17 مليار دولار في 2025، و16 مليار دولار في 2024.

استثمارات أسرع بدلاً من المشاريع الطويلة
رغم التركيز الحالي على خفض الديون ومكافأة المساهمين، يتوقع محللون أن تواجه شركات النفط ضغوطاً متزايدة لتوجيه جزء من السيولة إلى تعزيز احتياطياتها من النفط والغاز، مع إعطاء الأولوية للمشاريع القادرة على تحقيق عوائد سريعة.
وقال راسل هاردي، الرئيس التنفيذي لشركة "فيتول" لتجارة النفط، إن المزيد من الأموال سيتجه إلى المشاريع القابلة للتنفيذ على المدى القصير، موضحاً أن الأسواق لم تعد متحمسة للاستثمارات التي تتطلب سنوات طويلة قبل بدء الإنتاج.
وأضاف أن الشركات تسعى حالياً إلى تسريع تطوير المشاريع وإيصالها إلى الأسواق في أقصر وقت ممكن، بدلاً من الالتزام بمشاريع ضخمة قد لا يبدأ إنتاجها قبل عام 2039.

هل تعود صفقات الاستحواذ؟
يقول ميكا سميث، أحد قادة قطاع النفط والغاز في شركة "ماكينزي" للاستشارات، إن وفرة السيولة قد تدفع الشركات إلى البحث عن صفقات استحواذ، لكنه أشار إلى ضرورة تراجع أسعار النفط من مستوياتها الحالية التي تتجاوز 100 دولار للبرميل إلى نطاق الـ 70 دولاراً، واستقرارها عند تلك المستويات قبل توقع انتعاش نشاط الصفقات.
وفي تطور آخر، قد تتجه بعض الاستثمارات الجديدة إلى قطاع التكرير، الذي شهد تراجعاً في اهتمام شركات النفط الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، بعدما باعت العديد منها أجزاء كبيرة من أصولها في هذا النشاط.
وأوضح مارتين راتس، من "مورغان ستانلي"، أن أنشطة التداول والتكرير تستفيد من الاضطرابات نفسها التي تشهدها أسواق الطاقة، مشيراً إلى أن شركات تجارة النفط، مثل "فيتول" و"ترافيغورا"، استحوذت خلال السنوات الأخيرة على عدد من المصافي التي تخلت عنها شركات النفط العالمية الكبرى.