طرحت الدبلوماسية الدولية لانا نسيبة، مرشحة الإمارات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، رؤيتها لتطوير شامل في آلية عمل المنظمة الدولية في وقت حافل بالتحديات بينما يواجه التعاون الدولي تراجعاً في الثقة وفي المساعدات التنموية التقليدية. ويتضمن برنامج نسيبة رؤية اقتصادية ومالية تقوم على تحويل المنظمة من الاعتماد على "الثقة والوعود" إلى نموذج "العائد على الاستثمار" والنتائج الملموسة. 

وتركز الرؤية، التي طرحتها نسيبة عبر الموقع الإلكتروني الخاص بترشيحها، بشكل محوري على إعادة هيكلة ميزانية الأمم المتحدة، وحشد رؤوس الأموال من القطاع الخاص، وصياغة حلول عادلة لأزمة الديون الدولية، بما يضمن كفاءة إنفاق الموارد وتحقيق أثر تنموي حقيقي.

 إصلاح الميزانية وربط التكاليف بالنتائج

تشدد نسيبة في خطتها على أن الدول الأعضاء لن تستثمر في منظمة تطالب بالثقة المجردة، بل ستستثمر في منظمة تثبت عوائد استثماراتها مالياً وتنموياً. وتتضمن خطتها لإصلاح الميزانية والأمانة العامة إجراءات عملية حاسمة. يتصدر تلك الإجراءات تقديم تقارير مبسطة لوزراء المالية، حيث تلتزم كافة برامج الأمانة العامة الرئيسية للمنظمة الدولية بتقديم تقارير توضح النتائج والمخرجات المحققة مقارنة بالتكاليف المصروفة، بصياغة موجزة ومباشرة يستطيع وزير المالية قراءتها وتقييمها في ظهيرة يوم واحد.

وتهتم الخطة بالقضاء على التكرار وازدواجية الإنفاق من خلال معالجة تداخل المهام داخل الأمانة العامة، وتقديم البيانات أمام الدول الأعضاء ومجالس الإدارة للحد من قيام كيانات متعددة بنفس العمل في المكان ذاته. وتشدد أيضاً على المصارحة بشأن المتأخرات المالية عبر التعامل بوضوح ومباشرة مع كافة الحكومات بشأن التزاماتها المالية ومتأخراتها، مؤكدة أنه لا يمكن لأي مؤسسة التخطيط لمستقبلها في ظل وجود متأخرات مالية.

تحول في فلسفة التنمية

تؤكد الرؤية أن المساعدات التنموية التقليدية التي مولت العقود الثلاثة الماضية لن تستمر بالشكل نفسه، وأن المطالبة بالمزيد من التمويل دون إثبات الأثر لن تجد استجابة. ولذلك ترتكز الاستراتيجية التنموية على:

خلق الوظائف للشباب: جعل خلق الوظائف الأولوية التنموية الأولى لمواجهة دخول أكثر من مليار شاب إلى سوق العمل في الدول النامية خلال الـ15 سنة القادمة.
الالتزام بالأولويات الوطنية: توجيه التعاون التنموي وفق الأولويات المحددة وطنياً لكل دولة، والقضاء على التخطيط المشتت القائم على أجندات الوكالات المستقلة.
القياس بالأثر الملموس: تقييم نظام التنمية بناءً على ما تستطيع كل دولة إثباته من نتائج على الأرض، وليس بحجم ما ينفقه النظام.


آليات استثمارية والشراكة مع القطاع الخاص

تسعى رؤية لانا نسيبة إلى تجاوز القيود التمويلية الشديدة التي تواجهها الدول النامية من خلال آليات استثمارية حديثة، وتشمل معالجة التقييم الخاطئ للمخاطر عبر العمل مع بنوك التنمية والقطاع الخاص لتوفير بيانات دقيقة للمستثمرين لتخفيض تكلفة رأس المال في المناطق التي تشهد مبالغة في تقدير مخاطر الاستثمار فيها. وتتبني الرؤية أيضاً آلية التمويل المدمج من خلال إطلاق نماذج تمويل مدمج بالشراكة مع المؤسسات الخيرية ومجتمع الأعمال لاختبار الحلول واجتذاب استثمارات واسعة، حيث يقاس النجاح بحجم رأس المال المحشود وعدد الوظائف المحققة. وتركز الآلية الثالثة على حشد التوافق لإصلاح الديون من خلال توظيف سلطة الحشد والدعوة المقترنة بمنصب الأمين العام لبناء توافق دولي حول المقترحات العملية المطروحة لمعالجة ضائقة الديون وإصلاح آلياتها الدولية لتحويلها إلى أفعال.

التوافق بين الميزانية والتكليفات

تؤكد نسيبة على ضرورة معالجة الفجوات المادية في باقي ركائز منظومة الأمم المتحدة، حيث تدعو إلى تمويل ركيزة حقوق الإنسان بمستوى مالي يتناسب مع حجم مسؤولياتها وتكليفاتها الرسمية، مع إعطاء العمل المناخي الأولوية المباشرة لمساعدة الدول على التنبؤ بآثاره وبناء المرونة والوفاء بالتعهدات المعتمدة.

ويتمثل الأثر النهائي لهذه الرؤية الاقتصادية والمالية في إعادة بناء الثقة المفككة بين الدول الأعضاء، وتحويل منظمة الأمم المتحدة من مجرد ساحة للمناقشات إلى محرك عملي لتسهيل الاتفاقيات الاقتصادية والتنموية الملموسة. ومن خلال ربط التكاليف بالأثر، ومحاربة الازدواجية، وتحفيز رأس المال الخاص، وإتاحة التكنولوجيا للجميع، يتحول الاستثمار في دعم المنظمة وتمويلها إلى قرار استراتيجي مربح لجميع الدول الأعضاء، ويضمن تحقيق أثر تنموي مستدام تستفيد منه الأجيال القادمة.