تتصاعد الضغوط على الاقتصادات الأوروبية مع تفاقم أزمة الديون السيادية في فرنسا وبريطانيا، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض، واتساع العجز المالي، وتزايد المخاوف من انتقال الاضطرابات إلى أسواق السندات في منطقة اليورو، في وقت تواجه فيه الحكومات معادلة صعبة بين ضبط الإنفاق العام والحفاظ على النمو الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطنين.
وتأتي هذه التطورات في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتجدد الضغوط التضخمية، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل إقراض الحكومات، ويقلص قدرتها على تمويل الخدمات العامة والمشروعات الاستثمارية.

عوائد السندات عند أعلى مستوى
بحسب وكالة "رويترز"، بلغت أزمة السندات الفرنسية مستويات جديدة، بعدما قفز العائد على السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى 5.1415%، وهو أعلى مستوى منذ يوليو (تموز) الماضي، وسط مخاوف المستثمرين من قدرة باريس على إصلاح ماليتها العامة واستمرار الاضطرابات الاجتماعية.
واتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية لأجل 10 سنوات إلى نحو 174 نقطة أساس، مسجلاً أعلى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، خلال أزمة ديون منطقة اليورو، ما يعكس ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالديون الفرنسية.
ووفق "رويترز"، ساهمت الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا خلال الأيام الماضية في زيادة الضغوط على الأسواق المالية، إذ تراجعت السندات والأسهم الفرنسية واليورو، مع تنامي الشكوك بشأن قدرة الحكومة على تمرير إصلاحات مالية، وتقليص العجز دون إثارة مزيد من الغضب الشعبي.
الدين العام يتجاوز 3 تريليونات جنيه
كشفت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني، أن الدين العام تجاوز للمرة الأولى حاجز 3 تريليونات جنيه إسترليني، ليبلغ 3.005 تريليونات جنيه بنهاية سبتمبر (أيلول)، بما يعادل 94% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم تراجع هذه النسبة بمقدار 0.7 نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق.
وأوضحت "رويترز" أن عجز الموازنة خلال النصف الأول من السنة المالية 2026-2027 بلغ 97.8 مليار جنيه، متجاوزاً التوقعات الرسمية بنحو 6 مليارات جنيه، ما يزيد الضغوط على وزير المالية جون هيلي قبل تقديم الموازنة في 28 أكتوبر، وسط توقعات باتخاذ إجراءات لضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات.
عدوى السندات تهدد الاقتصادات الأوروبية
لا تقتصر المخاوف على فرنسا وبريطانيا، إذ أظهرت بيانات "رويترز" اتساع فروق العوائد بين السندات الألمانية ونظيراتها في عدة دول أوروبية، لتبلغ 123 نقطة أساس في إيطاليا، و111 نقطة في بلجيكا، و102 نقطة في اليونان، و71 نقطة في إسبانيا، ما يشير إلى ارتفاع كلفة المخاطر السيادية في المنطقة.
ويعني ارتفاع عوائد السندات زيادة تكلفة إصدار ديون جديدة، وإعادة تمويل الديون المستحقة، الأمر الذي قد يدفع الحكومات إلى تقليص الإنفاق أو زيادة الضرائب، ويؤثر بالتبعية في الاستثمار والاستهلاك والنمو الاقتصادي.
في مواجهة احتمالات انتقال اضطرابات السندات بين الاقتصادات الأوروبية، يمتلك البنك المركزي الأوروبي خيار استخدام "أداة حماية انتقال السياسة النقدية"، التي أطلقها في يوليو (تموز) 2022، وتتيح شراء السندات الحكومية للحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض وحماية الاستقرار النقدي، وفق شروط محددة. ولا تشمل الآلية بريطانيا، التي تعتمد على بنك إنجلترا لاحتواء أي اضطرابات في سوق سنداتها الحكومية.

هل يتكرر سيناريو أزمة السندات 2022؟
تعيد الاضطرابات الحالية إلى الأذهان أزمة السندات البريطانية في سبتمبر (أيلول) 2022، عندما تسببت المخاوف المرتبطة بالسياسات المالية الحكومية في موجة بيع حادة للسندات طويلة الأجل، ما دفع عوائدها إلى الارتفاع بنحو 130 نقطة أساس خلال 3 جلسات تداول، وهدد استقرار صناديق التقاعد التي تعتمد على استراتيجيات استثمار مرتبطة بالالتزامات المستقبلية.
وبحسب "بنك إنجلترا"، اضطر البنك المركزي حينها إلى التدخل بشراء سندات حكومية بقيمة 19.3 مليار جنيه إسترليني، بين 28 سبتمبر و14 أكتوبر 2022، لاحتواء اضطرابات السوق ومنع انتقالها إلى النظام المالي.

إيرادات قياسية لا تنهي ضغوط الموازنة
في مقابل الضغوط المالية التي تواجهها فرنسا وبريطانيا، تتوقع ألمانيا تجاوز إيراداتها الضريبية حاجز التريليون يورو للمرة الأولى في 2027، لتصل إلى نحو 1.044 تريليون يورو، وفق تقديرات أعلنتها وزارة المالية الألمانية.
وأكد وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل أن الإيرادات الإضافية لن تمنح الحكومة هامشاً أوسع للإنفاق خلال العام المقبل، مشيراً إلى استمرار الحاجة لضبط الموازنة، في ظل فجوة تمويلية متوقعة تبلغ 22 مليار يورو في 2028.

هل تواجه أوروبا أزمة ديون جديدة؟
رغم تشابه الضغوط المالية، تتباين الأوضاع بين الدول الأوروبية، ففرنسا تواجه اتساعاً حاداً في علاوة المخاطر على سنداتها، بينما تستفيد بريطانيا نسبياً من تحسن النمو وقوة الجنيه الإسترليني، الذي ارتفع بنحو 2.6% أمام اليورو، وفق "رويترز".
وتبقى المخاطر مرتبطة بمدى قدرة الحكومات الأوروبية على احتواء العجز واستعادة ثقة المستثمرين، دون تعميق تباطؤ النمو أو تأجيج الاحتجاجات الاجتماعية، في ظل تحديات متزايدة تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي في أوروبا.