أسبوع لندن للتكنولوجيا (رويترز)
أسبوع لندن للتكنولوجيا (رويترز)
الإثنين 19 أكتوبر 2026 / 19:34

بريطانيا.. مؤشرات مبكرة لتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل

منذ طفرة تطبيقات "الذكاء الاصطناعي" قبل سنوات قليلة، ثم ظهور ما يُعرف بـ"وكلاء الذكاء الاصطناعي"، بات مستقبل كثير من الوظائف موضع تساؤل، وسط تحذيرات متزايدة من قدرة هذه التقنيات على إحلال الآلات محل البشر في أداء مجموعة واسعة من المهام والأعمال.

وتُعد مدينة "سويندون" الإنجليزية الصغيرة إحدى المناطق المحتمل تأثرها بفقدان الوظائف نتيجة انتشار تطبيقات "الذكاء الاصطناعي".

في بدايات عصر البخار والثورة الصناعية قبل أكثر من 150 عاماً، كانت "سويندون" مركزاً حيوياً لهندسة السكك الحديدية، ثم تحولت لاحقاً إلى مركز للوظائف الخدمية ذات الأجور المرتفعة نسبياً. ويعمل كثير من سكان المدينة في الوظائف الإدارية الخلفية لدى البنوك وشركات التأمين، مثل تنظيم البيانات وتسوية المعاملات ومعالجة شكاوى العملاء. لكن مستقبل هذه الوظائف، التي تُعد من الأكثر عرضة للأتمتة، بات غير واضح.

وقد تكون بريطانيا من بين أكثر الدول تأثراً بالتحولات التي يجلبها عصر "وكلاء الذكاء الاصطناعي" و"مراكز البيانات" الضخمة، نظراً إلى أهمية الخدمات المالية والمصرفية في اقتصادها، باعتبارها من أكبر القطاعات توظيفاً للعمالة وأحد المصادر الرئيسية للصادرات. لذلك، قد تقدم التجربة البريطانية مؤشرات مهمة للدول الأخرى بشأن تداعيات هذه التحولات والسياسات التي يمكن أن تساعد المجتمعات على التكيف معها.

وتشير بيانات التوظيف المحلية والوطنية في بريطانيا إلى اتجاهات مقلقة قد ترتبط بتوسع الشركات في استخدام "الذكاء الاصطناعي". 

بحسب مسوح أجراها بنك الاستثمار الأمريكي "مورغان ستانلي" على أصحاب العمل، سجلت الشركات البريطانية انخفاضاً صافياً في أعداد موظفيها بنحو 8% خلال العام الماضي، وعزت المسوح ذلك أساساً إلى استخدام "الذكاء الاصطناعي". ويعادل هذا المعدل ضعف المتوسط المسجل لدى الشركات المماثلة في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وأستراليا.

من جهتها، تظهر بيانات "مكتب الإحصاء الوطني" البريطاني أن عدد الوظائف الشاغرة في البلاد تراجع إلى نحو نصف مستواه القياسي المسجل في 2022. 

ورغم أن "الذكاء الاصطناعي" ليس السبب الوحيد وراء ضعف سوق العمل، إلا أن تحليلاً أجرته وكالة "بلومبرغ" لبيانات المكتب أظهر أن أكبر التراجعات تركزت في المهن الأكثر عرضة للأتمتة، ومنها المحاسبة وتحليل الاستثمار والوظائف الإدارية في المؤسسات المالية، إلى جانب الإدارات المالية للشركات في قطاعات أخرى.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، أفادت "بلومبرغ" بأن مجموعة "إتش إس بي سي" المصرفية البريطانية تخطط لخفض عدد المستشارين الماليين العاملين لديها في بريطانيا بنحو 70%. 

كما قال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورجان تشيس" الأمريكي، خلال مؤتمر للمستثمرين في يوليو (تموز)، إن البنك خفّض الوظائف في مجالات معينة بنسب تراوحت بين 30% و40%، مشيراً إلى أنه عرض على معظم الموظفين الذين أُلغيت وظائفهم فرصاً أخرى داخل المؤسسة. 

الذكاء الاصطناعي في "تم العالمية".. كيف يعيد صياغة كلفة الوقت للمستثمرين؟ - موقع 24في معادلة الاستثمار الحديثة، لم تعد القوانين المرنة والإعفاءات الضريبية وحدها كفيلة بجذب رؤوس الأموال العالمية، بل أصبحت "سرعة الدورة التشغيلية" وتقليص كلفة الوقت من أبرز المحددات المفصلية في التنافسية الاقتصادية بين عواصم المال والأعمال.

ووفقاً لمسوح "مورجان ستانلي"، تتجه المؤسسات المالية والشركات أيضاً إلى إعادة تدريب الموظفين أو نقلهم إلى وظائف أخرى بدلاً من تسريحهم.

وتظل البيانات المتعلقة بالوظائف الشاغرة على المستوى المحلي أقل دقة من نظيرتها الوطنية، بسبب محدودية أعداد الوظائف المعنية وتأثرها بالتقلبات. 

ومع ذلك، تشير الاتجاهات إلى أن المدن البريطانية التي تعتمد بدرجة أكبر على القطاع المالي كانت من بين المناطق التي شهدت تراجعاً حاداً في الوظائف الشاغرة.

وشهدت مدينتا "بورنموث" و"كرايستشيرش" انخفاضاً كبيراً في فرص العمل المرتبطة بالقطاع المالي، لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. إذ أعلن بنك "جيه بي مورجان" استثمار أكثر من 300 مليون جنيه إسترليني في عملياته ومركزه التكنولوجي في "بورنموث"، بما يشمل إنشاء مكتب إضافي قد يستوعب ما يصل إلى 1800 موظف. غير أن هذه السعة لا تعني توفير العدد نفسه من الوظائف الجديدة، إذ تشمل الخطط نقل موظفين من مواقع أخرى إلى المكتب الجديد.

ومع ذلك، تواجه المدن المعتمدة على الخدمات تحديات تستحق المتابعة. فخسارة أعداد كبيرة من الوظائف بسبب "الذكاء الاصطناعي" والأتمتة قد لا تقتصر آثارها على ارتفاع البطالة، بل قد تمتد إلى تراجع الإنفاق المحلي، بما يهدد الوظائف في المطاعم وغيرها من الأنشطة التجارية.

ومن المتوقع أن يتفاوت تأثير "الذكاء الاصطناعي" في طبيعة العمل من منطقة إلى أخرى، ومن مهنة إلى أخرى. فمن جهة، قد تساعد هذه التقنيات الموظفين على التركيز على مهام أعلى قيمة بعد توليها الأعمال الروتينية المستهلكة للوقت. ومن جهة أخرى، قد تقلل الحاجة إلى بعض المهارات والخبرات، مع تحول دور العاملين إلى اتباع تعليمات الأنظمة الذكية أو التحقق من جودة مخرجاتها. 

ويستفيد مديرو الصناديق ومخططو الاستثمار من النوع الأول من التحولات، في حين يواجه العاملون في خدمة العملاء والتدقيق المحاسبي مخاطر أكبر من النوع الثاني.

وبدأ صناع القرار في بريطانيا دراسة هذه التداعيات. إذ حدد "معهد اقتصاديات الذكاء الاصطناعي"، وهو مشروع بحثي أُنشئ بالتعاون بين وزارتي الخزانة والعلوم والابتكار والتكنولوجيا، أسواق العمل الإقليمية ضمن أربعة مجالات بحثية رئيسية. كما طلب عمدة لندن من "معهد مستقبل العمل"، وهو هيئة مستقلة، دراسة مدى قدرة سوق العمل في العاصمة على الصمود أمام الأتمتة المدفوعة بـ"الذكاء الاصطناعي".

وتعتمد قدرة المناطق على التكيف بدرجة كبيرة على استعداد القوى العاملة لاكتساب المهارات المطلوبة مستقبلاً. كما تؤثر الثروة الشخصية، بوصفها شبكة أمان خلال فترات فقدان الدخل، وكثافة الشركات التي يمكن أن توفر فرص عمل بديلة، في قدرة المجتمعات على مواجهة التحولات. 

وتمنح هذه العوامل المدن الكبرى أفضلية نسبية، بينما قد تكون البلدات الصغيرة والأقل ترابطاً اقتصادياً أكثر عرضة لمخاطر فقدان الوظائف.

يشكل اعتماد الاقتصاد البريطاني على الخدمات المالية والمصرفية فرصة لتعزيز مكانته الأوروبية، إذا نجحت البلاد في توظيف "الذكاء الاصطناعي" لزيادة إنتاجية القطاع وتوسيع أعماله بالاستعانة بكوادر بشرية تمتلك المهارات اللازمة لاستخدام هذه التقنيات. لكن في المقابل، قد يؤدي انتشار البرمجيات الذكية القادرة على إنجاز جانب كبير من الأعمال المعرفية إلى خفض تكلفة هذه الخدمات بصورة حادة، بما يهدد تنافسية صادرات بريطانيا المالية.

ولم يرجح محللو مجموعة "دويتشه بنك" المصرفية الألمانية أياً من هذين السيناريوهين، لكنهم يرون أن بريطانيا من أكثر الدول عرضة للتغيرات المحتملة التي ستجلبها التقنيات الجديدة، نظراً إلى أن جزءاً كبيراً من صادراتها ونسبة مهمة من وظائفها يقعان في قطاعات تقف في صميم التحولات المرتقبة.