الأحد 5 يوليو 2026 / 13:47

من الإقامة إلى التنافسية.. كيف سبقت الإمارات أوروبا في استقطاب المواهب؟

تخوض أوروبا سباقاً متصاعداً لاستقطاب الكفاءات، بعدما أطلقت المفوضية الأوروبية في 15 يونيو (حزيران) 2026 حزمة إجراءات لمعالجة اختلالات أسواق العمل الناجمة عن التغيرات الديموغرافية واتساع فجوات المهارات، واعتبرت استقطاب الكفاءات ركيزة أساسية للحفاظ على زخم النمو الاقتصادي. وهي قناعة تبنتها الإمارات مبكراً، وبنت عليها استراتيجيتها لاستقطاب المواهب واستبقائها، ما قادها إلى تحقيق نتائج متقدمة في التقرير السنوي للتنافسية العالمية 2026.

ويظهر التقرير الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) تصدر الإمارات 21 مؤشراً عالمياً، أبرزها: توافر الخبرات العالمية، ونسبة التوظيف، وقدرة السياسات الحكومية على التكيف، وغياب البيروقراطية، وجودة النقل الجوي، بما يعكس تنامي دور رأس المال البشري بوصفه أحد أبرز مرتكزات التنافسية الاقتصادية العالمية.

معيار جديد لقوة الاقتصادات

وبين التحركات الأوروبية والنتائج التي حققتها الإمارات، يؤكد خبير الاقتصاد محمد الهاجري أن معدلات التوظيف لم تعد المعيار الوحيد لقياس تطور أسواق العمل، بل أصبحت القدرة على جذب أصحاب المهارات والاحتفاظ بهم المؤشر الأهم، في ظل تحول رأس المال البشري إلى أحد أبرز الأصول الاقتصادية في عصر الابتكار والاقتصاد الرقمي.

ويرى الهاجري أن سياسات الإقامة والهجرة القانونية أصبحت جزءاً من أدوات السياسة الاقتصادية، إلى جانب الاستثمار والبنية التحتية والتشريعات، في ظل تنافس الاقتصادات على استقطاب الكفاءات القادرة على رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، ودعم النمو الاقتصادي طويل الأجل.

أوروبا تبحث عن المواهب 

يتسق هذا الطرح مع التوجه الأوروبي، إذ أطلقت المفوضية الأوروبية حزمة إجراءات جديدة لاستقطاب الكفاءات، رغم تسجيل الاتحاد الأوروبي معدل توظيف بلغ 76.3% خلال الربع الأول من 2026، وفق بيانات المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي (يوروستات)، ما يعكس أن استقطاب الكفاءات لم يعد استجابة لضعف سوق العمل، بل أصبح جزءاً من استراتيجية تستهدف الحفاظ على النمو وتعزيز القدرة التنافسية.

وشملت الحزمة الأوروبية بدء تطبيق قواعد تصريح العمل والإقامة الموحد (Single Permit Directive)، إلى جانب إطلاق منصة (EU Talent Pool) لربط أصحاب العمل في الاتحاد الأوروبي بالكفاءات من خارج بلدان الاتحاد.

في المقابل، يرى الهاجري أن الإمارات استبقت هذا التوجه بعدة سنوات، عبر تبني رؤية تعاملت مع استقطاب الكفاءات بوصفه استثماراً طويل الأجل في رأس المال البشري، وليس مجرد سياسة للهجرة أو الإقامة، ما انعكس في تطوير منظومة متكاملة من التشريعات وأنظمة الإقامة الموجهة للكفاءات.

كيف ترجمت الإمارات هذه الرؤية؟

أطلقت الإمارات في 2019 نظام "الإقامة الذهبية"، كأول برنامج إقامة طويلة الأمد يستهدف المستثمرين، ورواد الأعمال، والعلماء، والأطباء، والباحثين، والمبرمجين، وأصحاب المواهب التخصصية، ويمنحهم إقامة لمدة 5 أو 10 سنوات من دون الحاجة إلى كفيل.

وفي 14 أبريل (نيسان) 2021، اعتمدت الدولة الاستراتيجية الوطنية لاستقطاب واستبقاء المواهب، بهدف ترسيخ مكانة الإمارات ضمن أفضل الدول في تنافسية المواهب، وضمان توافر الكفاءات في القطاعات الاستراتيجية، وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة.

وتواصل تطوير المنظومة في أبريل 2022، مع إدخال تحديثات شاملة على نظام الإقامة، تضمنت توسيع فئات الإقامة الذهبية، وإطلاق "الإقامة الخضراء" لمدة خمس سنوات، والمخصصة للعمالة الماهرة، والعاملين لحسابهم الخاص، والمستثمرين، ورواد الأعمال، بما يتيح لهم الإقامة بصورة مستقلة من دون الارتباط بصاحب عمل أو كفيل.

وفي مايو (أيار) 2024، أطلقت الإمارات "الإقامة الزرقاء" لمدة عشر سنوات، والمخصصة لأصحاب الإسهامات الاستثنائية في مجالات البيئة والاستدامة، بمن فيهم العلماء، والباحثون، والخبراء، ورواد الأعمال، والمستثمرون في القطاعات المرتبطة بالمناخ والطاقة والاقتصاد الأخضر.

الإقامة.. أداة اقتصادية

ويرى الهاجري أن هذه المنظومة لا تُقرأ باعتبارها تطويراً لأنظمة الإقامة فحسب، بل بوصفها جزءاً من سياسة اقتصادية تستهدف ربط الكفاءات بالقطاعات المستقبلية، وتوفير بيئة مستقرة تشجع أصحاب المهارات على الإقامة والإنتاج والاستثمار على المدى الطويل.

ويعكس المساران الأوروبي والإماراتي تحولاً في أولويات الاقتصادات الكبرى، إذ لم تعد المنافسة تقتصر على جذب الاستثمارات أو الشركات، بل امتدت إلى استقطاب العقول والمهارات، وفق الهاجري. 

وبينما تعيد أوروبا بناء أدواتها لمواجهة تحديات سوق العمل، تمضي الإمارات في تطوير منظومة بدأت قبل سنوات، جعلت من رأس المال البشري محوراً رئيسياً في سياساتها الاقتصادية، ورسخت مكانتها في مؤشرات التنافسية العالمية.